المؤمنون ، فخافوه أن تبدلوا عهده وتنقضوا ميثاقه الذي واثقهم به ، أو تخالفوا ما ضمنتم له بقولكم :
سمعنا وأطعنا ، بأن تضمروا له غير الوفاء بذلك في أنفسكم ، فإن الله مطلع على ضمائر صدوركم ، وعالم بما تخفيه نفوسكم لا يخفى عليه شيء من ذلك ، فيحل بكم من عقوبته ما لا قبل لكم به ، كالذي حل بمن قبلكم من اليهود من المسخ وصنوف النقم ، وتصيروا في معادكم إلى سخط الله وأليم عقابه . القول في تأويل قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ . . .
أَلَّا تَعْدِلُوا
يعني بذلك جل ثناؤه : يا أيها الذين آمنوا بالله وبرسوله محمد ، ليكن من أخلاقكم وصفاتكم القيام لله ، شهداء بالعدل في أوليائكم وأعدائكم ، ولا تجوروا في أحكامكم وأفعالكم ، فتجاوزوا ما حددت لكم في أعدائكم لعدواتهم لكم ، ولا تقصروا فيما حددت لكم من أحكامي وحدودي في أوليائكم لولايتهم ، ولكن انتهوا في جميعهم إلى حدي ، واعملوا فيه بأمري . وأما قوله :
وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا
فإنه يقول : ولا يحملنكم عداوة قوم على ألا تعدلوا في حكمكم فيهم وسيرتكم بينهم ، فتجوروا عليهم من أجل ما بينكم وبينهم من العداوة . وقد ذكرنا الرواية عن أهل التأويل في معنى قوله :
كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ
وفي قوله :
وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ
واختلاف المختلفين في قراءة ذلك والذي هو أولى بالصواب من القول فيه والقراءة بالأدلة الدالة على صحته بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . وقد قيل : إن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين همت اليهود بقتله . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن عبد الله بن كثير :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى
نزلت في يهود خيبر ، أرادوا قتل النبي صلى الله عليه وسلم . وقال ابن جريج : قال عبد الله بن كثير : ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يهود يستعينهم في دية ، فهموا أن يقتلوه ، فذلك قوله :
وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا
الآية . القول في تأويل قوله تعالى :
اعْدِلُوا
يعني جل ثناؤه بقوله :
اعْدِلُوا
أيها المؤمنون على كل أحد من الناس وليا لكم كان أو عدوا ، فاحملوهم على ما أمرتكم أن تحملوهم عليه من أحكامي ، ولا تجوروا بأحد منهم عنه . وأما قوله :
هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى
فإنه يعني بقوله : هو العدل عليهم أقرب لكم أيها المؤمنون إلى التقوى ، يعني : إلى أن تكونوا عند الله باستعمالكم إياه من أهل التقوى ، وهم أهل الخوف والحذر من الله إن يخالفوه في شيء من أمره ، أو يأتوا شيئا من معاصيه . وإنما وصف جل ثناؤه العدل بما وصف به من أنه أقرب للتقوى من الجور ، لأن من كان عادلا كان لله بعدله مطيعا ، ومن كان لله مطيعا كان لا شك من أهل التقوى ، ومن كان جائرا كان لله عاصيا ، ومن كان لله عاصيا كان بعيدا من تقواه . وإنما كنى بقوله :
هُوَ أَقْرَبُ
عن الفعل ، والعرب تكني عن الأفعال إذا كنت عنها ب " هو " و " بذلك " ، كما قال جل ثناؤه
فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ
و
ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ
ولو لم يكن في الكلام " هو " لكان أقرب " نصبا " ، ولقيل : اعدلوا أقرب للتقوى ، كما قيل :
انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ
وأما قوله :
وَاتَّقُوا اللَّهَ . . .
فإنه يعني : واحذروا أيها المؤمنون أن تجوروا في عباده ، فتجاوزوا فيهم حكمه وقضاءه الذين بين لكم ، فيحل بكم عقوبته ، وتستوجبوا منه أليم نكاله .
إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ
يقول : إن الله ذو خبرة وعلم بما تعملون أيها المؤمنون فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه من عمل به أو خلاف له ، محص ذلكم عليكم كله ، حتى يجازيكم به جزاءكم المحسن منكم بإحسانه ، والمسئ بإساءته ، فاتقوا أن تسيئوا . القول في تأويل قوله تعالى :
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
يعني جل ثناؤه بقوله :
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
وعد الله أيها الناس الذين صدقوا الله ورسوله ، وأقروا بما جاءهم به من عند ربهم ، وعملوا