ابن عمر غسل ما تحت أجفان العينين بالماء بصبه الماء في ذلك ، لا على أن ذلك كان عليه عنده فرضا واجبا . فأما من ظن أن ذلك من فعلهم كان على وجه الإيجاب والفرض ، فإنه خالف في ذلك بقوله منهاجهم وأغفل سبيل القياس ، لأن القياس هوما وصفنا من تمثيل المختلف فيه من ذلك بالأصل المجمع عليه من حكم العينين ، وأن لا خبر عن واحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أوجب على تارك إيصال الماء في وضوئه إلى أصول شعر لحيته وعارضيه ، وتارك المضمضة والاستنشاق إعادة صلاته إذا صلى بطهره ذلك ، ففي ذلك أوضح الدليل على صحة ما قلنا من أن فعلهم ما فعلوا من ذلك كان إيثارا منهم لأفضل الفعلين من الترك والغسل . فإن ظن ظان أن في الأخبار التي رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : " إذا توضأ أحدكم فليستنثر " دليلا على وجوب الاستنثار ، فإن في إجماع الحجة على أن ذلك غير فرض يجب على من تركه إعادة الصلاة التي صلاها قبل غسله ، ما يغني عن إكثار القول فيه . وأما الأذنان فإن في إجماع جميعهم على أن ترك غسلهما أو غسل ما أقبل منهما على الوجه ، غير مفسد صلاة من صلى بطهره الذي ترك فيه غسلهما ، مع إجماعهم جميعا على أنه لو ترك غسل شيء مما يجب عليه غسله من وجهه في وضوئه أن صلاته لا تجزئه بطهوره ذلك ، ما ينبئ عن القول في ذلك مما قاله أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ذكرنا قولهم إنهما ليسا من الوجه ؛ دون ما قاله الشعبي . القول في تأويل قوله عز ذكره :
وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ
اختلف أهل التأويل في غسل المرافق ، هل هي من اليد الواجب غسلها أم لا ؟
بعد إجماع جميعهم على أن غسل اليد إليها واجب . فقال مالك بن أنس وسئل عن قول الله :
فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ
أترى أن يخلف المرفقين في الوضوء ؟ قال : الذي أمر به أن يبلغ " المرفقين " ، قال تبارك وتعالى :
فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ
فذهب هذا يغسل خلفه فقيل له : فإنما يغسل إلى المرفقين والكعبين لا يجاوزهما ؟ فقال : لا أدري ما لا يجاوزهما ؛ أما الذي أمر به أن يبلغ به فهذا :
إلى المرفقين والكعبين . حدثنا يونس ، عن أشهب عنه . وقال الشافعي : لم أعلم مخالفا في أن المرافق فيما يغسل كأنه يذهب إلى أن معناها :
فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى
أن تغسل
الْمَرافِقِ
حدثنا بذلك عنه الربيع . وقال آخرون : إنما أوجب الله بقوله :
وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ
غسل اليدين إلى المرافق ، فالمرفقان غاية لما أوجب الله غسله من آخر اليد ، والغاية غير داخلة في الحد ، كما غير داخل الليل فيما أوجب الله تعالى على عباده من الصوم بقوله :
ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ
لأن الليل غاية لصوم الصائم ، إذا بلغه فقد قضى ما عليه . قالوا : فكذلك غسل المرافق في قوله :
فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ
غاية لما أوجب الله غسله من اليد . وهذا قول زفر بن الهذيل . والصواب من القول في ذلك عندنا : أن غسل اليدين إلى المرفقين من الفرض الذي إن تركه أو شيئا منه تارك ، لم تجزه الصلاة مع تركه غسله . فأما المرفقان وما وراءهما ، فإن غسل ذلك من الندب الذي ندب إليه صلى الله عليه وسلم أمته بقوله : " أمتي الغر المحجلون من آثار الوضوء ، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل " فلا تفسد صلاة تارك غسلهما وغسل ما وراءهما ، لما قد بينا قبل فيما مضى من أن كل غاية حدت ب " إلى " فقد تحتمل في كلام العرب دخول الغاية في الحد وخروجها منه . وإذا احتمل الكلام ذلك لم يجز لأحد القضاء بأنها داخلة فيه ، إلا لمن لا يجوز خلافه فيما بين وحكم ، ولا حكم بأن غسل المرافق داخلة فيما يجب غسله عندنا ممن يجب التسليم بحكمه . القول في تأويل قوله تعالى :
وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ
اختلف أهل التأويل في صفة المسح الذي أمر الله به بقوله :
وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ
مسح الرأس فقال بعضهم : وامسحوا بما بدا لكم أن تمسحوا به من رءوسكم بالماء إذا قمتم إلى الصلاة . ذكر من قال ذلك : حدثنا نصر بن علي الجهضمي ، قال : ثنا حماد بن مسعدة ، عن عيسى بن حفص ، قال : ذكر عند القاسم بن محمد مسح الرأس ، فقال :