قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة :
وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ
لا يجرمنكم بغض قوم . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله :
وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ
قال : بغضاؤهم أن تعتدوا . القول في تأويل قوله تعالى :
أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا
اختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأه بعض أهل المدينة وعامة قراء الكوفيين :
أَنْ صَدُّوكُمْ
بفتح الألف من " أن " بمعنى :
لا يجرمنكم بغض قوم بصدهم إياكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا . وكان بعض قراء الحجاز والبصرة يقرأ ذلك : " ولا يجرمنكم شنآن قوم إن صدوكم " بكسر الألف من " إن " بمعنى : ولا يجرمنكم شنآن قوم إن هم أحدثوا لكم صدا عن المسجد الحرام ، أن تعتدوا . فزعموا أنها في قراءة ابن مسعود : " إن يصدكم " فقراءة ذلك كذلك اعتبارا بقراءته . والصواب من القول في ذلك عندي ، أنهما قراءتان معروفتان مشهورتان في قراءة الأمصار ، صحيح معنى كل واحدة منهما . وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم صد عن البيت هو وأصحابه صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية ، وأنزلت عليه سورة المائدة بعد ذلك . فمن قرأ :
أَنْ صَدُّوكُمْ
بفتح الألف من " أن " فمعناه : لا يحملنكم بغض قوم أيها الناس من أجل أن صدوكم يوم الحديبية عن المسجد الحرام ، أن تعتدوا عليهم . ومن قرأ : " إن صدوكم " بكسر الألف ، فمعناه : لا يجرمنكم شنآن قوم إن صدوكم عن المسجد الحرام إذا أردتم دخوله ، لأن الذين حاربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من قريش يوم فتح مكة قد حاولوا صدهم عن المسجد الحرام ، فتقدم الله إلى المؤمنين في قول من قرأ ذلك بكسر " إن " بالنهى عن الاعتداء عليهم إن هم صدوهم عن المسجد الحرام قبل أن يكون ذلك من الصادين . غير أن الأمر وإن كان كما وصفت ، فإن قراءة ذلك بفتح الألف أبين معنى ، لأن هذه السورة لا تدافع بين أهل العلم في أنها نزلت بعد يوم الحديبية . وإذ كان ذلك كذلك ، فالصد قد كان تقدم من المشركين ، فنهى الله المؤمنين عن الاعتداء على الصادين من أجل صدهم إياهم عن المسجد الحرام ، وأما قوله :
أَنْ تَعْتَدُوا
فإنه يعني : أن تجاوزوا الحد الذي حده الله لكم في أمرهم .
فتأويل الآية إذن : ولا يحملنكم بغض قوم لأن صدوكم عن المسجد الحرام أيها المؤمنون أن تعتدوا حكم الله فيهم فتجاوزوه إلى ما نهاكم عنه ، ولكن ألزموا طاعة الله فيما أحببتم وكرهتم . وذكر أنها نزلت في النهي عن الطلب بذحول الجاهلية . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله :
أَنْ تَعْتَدُوا
رجل مؤمن من حلفاء محمد ، قتل حليفا لأبي سفيان من هذيل يوم الفتح بعرفة ، لأنه كان يقتل حلفاء محمد ، فقال محمد صلى الله عليه وسلم : " لعن الله من قتل بذحل الجاهلية " حدثني المثني ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . وقال آخرون : هذا منسوخ . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله :
وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا
قال : بغضاؤهم ، حتى تأتوا ما لا يحل لكم . وقرأ
أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا
وتعاونوا ، قال : هذا كله قد نسخ ، نسخه الجهاد . وأولى القولين في ذلك بالصواب قول مجاهد : إنه غير منسوخ لاحتماله أن تعتدوا الحق فيما أمرتكم به . وإذا احتمل ذلك ، لم يجز أن يقال : هو منسوخ ، إلا بحجة يجب التسليم لها . القول في تأويل قوله تعالى :
تَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ
يعني جل ثناؤه بقوله :
وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى
وليعن بعضكم أيها المؤمنون بعضا على البر ، وهو العمل بما أمر الله بالعمل به
وَالتَّقْوى
هو اتقاء ما أمر الله باتقائه واجتنابه من معاصيه . وقوله :
وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ
يعني : ولا يعن بعضكم بعضا على الإثم ، يعني : على ترك ما أمركم الله بفعله .
وَالْعُدْوانِ
يقول : ولا على أن تتجاوزوا ما حد الله لكم في دينكم ، وفرض لكم في أنفسكم وفي غيركم . وإنما معنى الكلام : ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا ، ولكن ليعن بعضكم بعضا بالأمر