فلبثوا أربعين سنة في فراسخ ستة ، أو دون ذلك ، يسيرون كل يوم جادين لكي يخرجوا منها ، حتى يمسوا وينزلوا ، فإذا هم في الدار التي منها ارتحلوا . وإنهم اشتكوا إلى موسى ما فعل بهم ، فأنزل عليهم المن والسلوى ، وأعطوا من الكسوة ما هي قائمة لهم ، ينشأ الناشئ فتكون معه على هيئته . وسأل موسى ربه أن يسقيهم ، فأتى بحجر الطور ، وهو حجر أبيض ، إذا ما نزل القوم ضربه بعصاه فيخرج منه اثنتا عشرة عينا لكل سبط منهم عين ، قد علم كل أناس مشربهم . حتى إذا خلت أربعون سنة ، وكانت عذابا بما اعتدوا وعصوا ، أوحى إلى موسى أن مرهم أن يسيروا إلى الأرض المقدسة ، فإن الله قد كفاهم عدوهم ، وقل لهم إذا أتوا المسجد أن يأتوا الباب ويسجدوا إذا دخلوا ، ويقولوا حطة .
وإنما قولهم حطة ، أن يحط عنهم خطاياهم . فأبى عامة القوم ، وعصوا ، وسجدوا على خدهم ، وقالوا حنطة ، فقال الله جل ثناؤه :
فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ
إلى :
بِما كانُوا يَفْسُقُونَ
وقال آخرون : بل الناصب للأربعين :
يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ
قالوا : ومعنى الكلام : قال : فإنها محرمة عليهم أبدا يتيهون في الأرض أربعين سنة . قالوا : ولم يدخل مدينة الجبارين أحد ممن قال :
إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ
، وذلك أن الله عز ذكره حرمها عليهم .
قالوا : وإنما دخلها من أولئك القوم : يوشع وكلاب اللذان قالا لهم :
ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ
وأولاد الذين حرم الله عليهم دخولها ، فتيهم الله فلم يدخلها منهم أحد . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا سليمان بن حرب ، قال : ثنا أبو هلال ، عن قتادة في قول الله :
فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ
قال : أبدا . حدثنا ابن بشار قال : ثنا سليمان بن حرب قال : ثنا أبو هلال ، عن قتادة في قول الله :
يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ
قال : أربعين سنة . حدثنا المثني ، قال : ثنا مسلم بن إبراهيم ، قال :
ثنا هارون النحوي ، قال : ثني الزبير بن الخريت ، عن عكرمة في قوله :
فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ
قال : التحريم لا منتهى له . حدثنا موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو بن حماد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قال : غضب موسى على قومه ، فدعا عليهم ، فقال :
رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي
الآية ، فقال الله جل وعز :
فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ
فلما ضرب عليهم التيه ، ندم موسى ، وأتاه قومه الذين كانوا يطيعونه ، فقال له : ما صنعت بنا يا موسى ؟
فمكثوا في التيه ؛ فلما خرجوا من التيه ، رفع المن والسلوى ، وأكلوا من البقول . والتقى موسى وعوج ، فوثب موسى في السماء عشرة أذرع ، وكانت عصاه عشرة أذرع ، وكان طوله عشرة أذرع ، فأصاب كعب عوج فقتله . ولم يبق أحد ممن أبى أن يدخل قرية الجبارين مع موسى إلا مات ، ولم يشهد الفتح .
ثم إن الله لما انقضت الأربعون سنة بعث يوشع بن نون نبيا ، فأخبرهم أنه نبي ، وأن الله قد أمره أن يقاتل الجبارين ، فبايعوه وصدقوه ، فهزم الجبارين ، واقتحموا عليهم يقاتلونهم ، فكانت العصابة من بني إسرائيل يجتمعون على عنق الرجل يضربونها لا يقطعونها . حدثني عبد الكريم بن الهيثم ، قال : ثنا إبراهيم بن بشار ، قال : ثنا سفيان ، قال : قال أبو سعيد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : لما دعا موسى ، قال الله :
فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ
قال : فدخلوا التيه ، فكل من دخل التيه ممن جاوز العشرين سنة مات في التيه . قال : فمات موسى في التيه ، ومات هارون قبله . قال : فلبثوا في تيههم أربعين سنة ، فناهض يوشع بمن بقي معه مدينة الجبارين ، فافتتح يوشع المدينة . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قال الله :
فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً
حرمت عليهم القرى ، وكانوا لا يهبطون قرية ، ولا يقدرون على ذلك ، إنما يتبعون الأطواء أربعين سنة . وذكر لنا أن موسى صلى الله عليه وسلم مات في الأربعين سنة ، وأنه لم يدخل بيت المقدس منهم إلا أبناؤهم والرجلان اللذان قالا ما قالا . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال :