تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 211

مساهمون:

ص٢١١
بتأويل الآية قول من قال : عني بذلك أهل الكتاب الذين أقروا بحكم التوراة ، ثم كذبوا بخلافهم إياه ، ثم أقر من أقر منهم بعيسى والإنجيل ، ثم كذب به بخلافه إياه ، ثم كذب بمحمد صلى الله عليه وسلم والفرقان ، فازداد بتكذيبه به كفرا على كفره . وإنما قلنا : ذلك أولى بالصواب في تأويل هذه الآية ، لأن الآية قبلها في قصص أهل الكتابين ، أعني قوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ
ولا دلالة تدل على أن قوله :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا
منقطع معناه من معنى ما قبله ، فإلحاقه بما قبله أولى حتى تأتي دلالة دالة على انقطاعه منه . وأما قوله :
لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ
فإنه يعني : لم يكن الله ليستر عليهم كفرهم وذنوبهم بعفوه عن العقوبة لهم عليه ، ولكنه يفضحهم على رؤوس الأشهاد .
وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا
يقول : ولم يكن ليسددهم لإصابة طريق الحق فيوفقهم لها ، ولكنه يخذلهم عنها عقوبة لهم على عظيم جرمهم وجراءتهم على ربهم . وقد ذهب قوم إلى أن استتابة المرتد يستتاب ثلاثا انتزاعا منهم بهذه الآية ، وخالفهم على ذلك آخرون . ذكر من قال يستتاب ثلاثا : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا حفص ، عن أشعث ، عن الشعبي ، عن علي عليه السلام ، قال : إن كنت لمستتيب استتابة المرتد ثلاثا . ثم قرأ هذه الآية
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا
. حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن سفيان ، عن جابر ، عن عامر ، عن علي رضي الله عنه : يستتاب استتابة المرتد ثلاثا ، ثم قرأ :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً
. حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن سفيان ، عن عبد الكريم ، عن رجل ، عن ابن عمر ، قال : يستتاب استتابة المرتد ثلاثا . وقال آخرون : يستتاب كلما ارتد استتابة المرتد . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن سفيان ، عن عمرو بن قيس ، عمن سمع إبراهيم قال : يستتاب استتابة المرتد كلما ارتد . قال أبو جعفر : وفي قيام الحجة بأن استتابة المرتد يستتاب المرة الأولى ، الدليل الواضح على أن حكم كل مرة ارتد فيها عن الإسلام حكم المرة الأولى في أن توبته مقبولة ، وأن إسلامه حقن له دمه ؛ لأن العلة التي حقنت دمه في المرة الأولى إسلامه ، فغير جائز أن توجد العلة التي من أجلها كان دمه محقونا في الحالة الأولى ثم يكون دمه مباحا مع وجودها ، إلا أن يفرق بين حكم المرة الأولى وسائر المرات غيرها ما يجب التسليم له من أصل محكم ، فيخرج حكم القياس حينئذ . القول في تأويل قوله تعالى :
بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً
يعني بذلك جل ثناؤه :
بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ
أخبر المنافقين ، وقد بينا معنى التبشير فيما مضى بما أغنى عن إعادته .
بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً
يعني : بأن لهم يوم القيامة من الله على نفاقهم ، عذابا أليما ، وهو الموجع ، وذلك عذاب جهنم . القول في تأويل قوله تعالى :
الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ
أما قوله جل ثناؤه :
الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ
فمن صفة المنافقين . يقول الله لنبيه : يا محمد ، بشر المنافقين الذين يتخذون أهل الكفر بي والإلحاد في ديني أولياء : يعني أنصارا وأخلاء من دون المؤمنين ، يعني : من غير المؤمنين .
أَ يَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ
يقول : أيطلبون عندهم المنعة والقوة باتخاذهم إياهم أولياء من دون أهل الإيمان بي .
فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً
يقول : فإن الذين اتخذوهم من الكافرين أولياء ابتغاء العزة عندهم ، هم الأذلاء الأقلاء ، فهلا اتخذوا الأولياء من المؤمنين ، فيلتمسوا العزة والمنعة والنصرة من عند الله ، الذي له العزة والمنعة ، الذي يعز من يشاء ، ويذل من يشاء فيعزهم ويمنعهم ؟ وأصل العزة : الشدة ؛ ومنه قيل للأرض الصلبة الشديدة : عزاز ، وقيل : قد استعز على المريض : إذا اشتد مرضه وكاد يشفي ، ويقال : تعزز اللحم : إذا اشتد ؛ ومنه قيل : عز علي أن يكون كذا وكذا ، بمعنى : اشتد علي . القول في تأويل قوله تعالى :
وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 211 | محمد بن جرير الطبري