فتأويل الآية على قول هؤلاء الذين قالوا هذه المقالة ، ورووا هذه الرواية : وإذا كنت يا محمد فيهم ، يعني في أصحابك خائفا ، فأقمت لهم الصلاة صلاة الخوف ، فلتقم طائفة منهم معك ؛ يعني ممن دخل معك في صلاتك ،
فَإِذا سَجَدُوا
، يقول : فإذا سجدت هذه الطائفة بسجودك ، ورفعت رءوسها من سجودها
فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ
يقول : فليصر من خلفك ، خلف الطائفة التي حرستك وإياهم إذا سجدت بهم وسجدوا معك .
وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا
يعني الطائفة الحارسة التي صلت معه غير أنها لم تسجد بسجوده ، فمعنى قوله :
لَمْ يُصَلُّوا
على مذهب هؤلاء : لم يسجدوا بسجودك :
فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ
يقول :
فليسجدوا بسجودك إذا سجدت ، ويحرسك وإياهم الذين سجدوا بسجودك في الركعة الأولى .
وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ
يعني الحارسة . وأولى الأقوال التي ذكرناها بتأويل الآية قول من قال معنى ذلك : فإذا سجدت الطائفة التي قامت معك في صلاتها ،
فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ
يعني من خلفك وخلف من يدخل في صلاتك ممن لم يصل معك الركعة الأولى بإزاء العدو بعد فراغها من بقية صلاتها ،
وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى
وهي الطائفة التي كانت بإزاء العدو لم يصلوا ، يقول : لم يصلوا معك الركعة الأولى
فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ
صلاة الخوف يقول : فليصلوا معك الركعة التي بقيت عليك .
وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ
لقتال عدوهم بعد ما يفرغون من صلاتهم ؛ وذلك نظير الخبر الذي روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه فعله يوم ذات الرقاع ، والخبر الذي روى سهل بن أبي حثمة . وإنما قلنا ذلك أولى بتأويل الآية ، لأن الله عز ذكره قال :
وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ
وقد دللنا على أن إقامتها إتمامها بركوعها وسجودها ، ودللنا مع ذلك على أن قوله :
فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا
إنما هو إذن بالقصر من ركوعها وسجودها في حال شدة الخوف .
فإذا صح ذلك كان بينا أن لا وجه لتأويل من تأول ذلك أن الطائفة الأولى إذا سجدت مع الإمام فقد انقضت صلاتها ، لقوله :
فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ
لاحتمال ذلك من المعاني ما ذكرت قبل ، ولأنه لا دلالة في الآية على أن القصر الذي ذكر في الآية قبلها عنى به القصر من عدد الركعات . وإذ كان لا وجه لذلك ، فقول من قال : أريد بذلك التقدم والتأخر في الصلاة على نحو صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بعسفان أبعد ، وذلك أن الله جل ثناؤه يقول :
وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ
وكلتا الطائفتين قد كانت صلت مع النبي صلى الله عليه وسلم ركعته الأولى في صلاته بعسفان ، ومحال أن تكون التي صلت مع النبي صلى الله عليه وسلم هي التي لم تصل معه .
فإن ظن ظان أنه أريد بقوله :
لَمْ يُصَلُّوا
لم يسجدوا ، فإن ذلك غير الظاهر المفهوم من معاني الصلاة ، وإنما توجه معاني كلام الله جل ثناؤه إلى الأظهر والأشهر من وجوههما ما لم يمنع من ذلك ما يجب التسليم له . وإذ كان ذلك كذلك ولم يكن في الآية أمر من الله عز ذكره للطائفة الأولى بتأخير قضاء ما بقي عليها من صلاتها إلى فراغ الإمام من بقية صلاته ، ولا على المسلمين الذين بإزاء العدو في اشتغالها بقضاء ذلك ضرر ، لم يكن لأمرها بتأخير ذلك وانصرافها قبل قضاء باقي صلاتها عن موضعها معنى . غير أن الأمر وإن كان كذلك ، فإنا نرى أن من صلاها من الأئمة فوافقت صلاته بعض الوجوه التي ذكرناها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه صلاها ، فصلاته مجزئة عنه تامة لصحة الأخبار بكل ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنه من الأمور التي علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته ثم أباح لهم العمل بأي ذلك شاءوا . وأما قوله :
وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ
فإنه يعني : تمنى الذين كفروا بالله ، لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم ، يقول :
لو تشتغلون بصلاتكم عن أسلحتكم التي تقاتلونهم بها ، وعن أمتعتكم التي بها بلاغكم في أسفاركم