وذراريهم ونسائهم ، يقول الله :
كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها
يعني : كلما دعاهم إلى الشرك بالله ارتدوا ، فصاروا مشركين مثلهم ليأمنوا عند هؤلاء وهؤلاء . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد :
يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ
قال ناس كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم ، فيسلمون رياء ، ثم يرجعون إلى قريش فيرتكسون في الأوثان ، يبتغون بذلك أن يأمنوا هاهنا وهاهنا ، فأمر بقتالهم إن لم يعتزلوا ويصلحوا قتال المشركين . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس :
سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها
يقول : كلما أرادوا أن يخرجوا من فتنة أركسوا فيها . وذلك أن الرجل كان يوجد قد تكلم بالإسلام ، فيقرب إلى العود والجحر وإلى العقرب والخنفساء ، فيقول المشركون لذلك المتكلم بالإسلام : قل هذا ربي ، للخنفساء والعقرب . وقال آخرون : بل هم قوم من أهل الشرك كانوا طلبوا الأمان من رسول الله صلى الله عليه وسلم ليأمنوا عنده وعند أصحابه وعند المشركين . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ
قال : حي كانوا بتهامة ، قالوا : يا نبي الله لا نقاتلك ولا نقاتل قومنا ، وأرادوا أن يأمنوا نبي الله ويأمنوا قومهم . فأبى الله ذلك عليهم ، فقال :
كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها
يقول : كلما عرض لهم بلاء هلكوا فيه . وقال آخرون : نزلت هذه الآية في نعيم بن مسعود الأشجعي . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قال : ثم ذكر نعيم بن مسعود الأشجعي ، وكان يأمن في المسلمين والمشركين ، ينقل الحديث بين النبي صلى الله عليه وسلم والمشركين . فقال :
سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ
يقول : إلى الشرك . وأما تأويل قوله :
كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها
فإنه كما : حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع ، عن أبي العالية في قوله :
كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها
قال : كلما ابتلوا بها عموا فيها . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : كلما عرض لهم بلاء هلكوا فيه . والقول في ذلك ما قد بينت قبل ، وذلك أن الفتنة في كلام العرب : الاختبار ، والإركاس : الرجوع . فتأويل الكلام : كلما ردوا إلى الاختبار ليرجعوا إلى الكفر والشرك رجعوا إليه . القول في تأويل قوله تعالى :
فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ . . .
سُلْطاناً مُبِيناً
يعني بذلك جل ثناؤه : فإن لم يعتزلوكم أيها المؤمنون هؤلاء الذين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم ، وهي كلما دعوا إلى الشرك أجابوا إليه ، ويلقوا إليكم السلم ، ولم يستسلموا إليكم فيعطوكم المقاد ويصالحوكم . كما : حدثنا المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع :
فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ
قال : الصلح .
وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ
يقول : ويكفوا أيديهم عن قتالكم ،
فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ
يقول جل ثناؤه : فإن لم يفعلوا فخذوهم أين أصبتموهم من الأرض ولقيتموهم فيها فاقتلوهم ، فإن دماءهم لكم حينئذ حلال قتال المشركين .
وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً
يقول جل ثناؤه : وهؤلاء الذين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم وهم على ما هم عليه من الكفر ، إن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم ، جعلنا لكم حجة في قتلهم أينما لقيتموهم ، بمقامهم على كفرهم وتركهم هجرة دار الشرك .
مُبِيناً
يعني أنها تبين عن استحقاقهم ذلك منكم وإصابتكم الحق في قتلهم ، وذلك قوله :
سُلْطاناً مُبِيناً
. والسلطان : هو الحجة . كما : حدثني المثنى ، قال :