تُفْلِحُونَ
يعني بذلك جل ثناؤه : يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله ، لا تأكلوا الربا في إسلامكم ، بعد إذ هداكم له ، كما كنتم تأكلونه في جاهليتكم . وكان أكلهم ذلك في جاهليتهم أن الرجل منهم كان يكون له على الرجل مال إلى أجل ، فإذا حل الأجل طلبه من صاحبه ، فيقول له الذي عليه المال : أخر عنى دينك ، وأزيدك على مالك فيفعلان ذلك ، فذلك هو الربا أضعافا مضاعفة ، فنهاهم الله عز وجل في إسلامهم عنه .
كما : حدثنا محمد بن سنان ، قال : ثنا مؤمل ، قال : ثنا سفيان ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، قال : كانت ثقيف تداين في بني المغيرة في الجاهلية ، فإذا حل الأجل ، قالوا : نزيدكم وتؤخرون فنزلت :
لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً
حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً
أي لا تأكلوا في الإسلام إذ هداكم له ، ما كنتم تأكلون إذ أنتم على غيره مما لا يحل لكم في دينكم . حدثنا محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله عز وجل :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً
قال : ربا الجاهلية . حدثني يونس ، قال :
أخبرنا ابن وهب ، قال سمعت ابن زيد يقول في قوله :
لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً
قال : كان أبي زيد يقول :
إنما كان الربا في الجاهلية في التضعيف وفي السن ، يكون للرجل فضل دين ، فيأتيه إذا جل الأجل ، فيقول له : تقضيني أو تزيدني ؟ فإن كان عنده شيء يقضيه قضى ، وإلا حوله إلى السن التي فوق ذلك ، إن كانت ابنة مخاض يجعلها ابنة لبون في السنة الثانية ، ثم حقة ، ثم جذعة ثم رباعيا ، ثم هكذا إلى فوق . وفي العين يأتيه ، فإن لم يكن عنده أضعفه في العام القابل ، فإن لم يكن عنده أضعفه أيضا ، فتكون مائة فيجعلها إلى قابل مائتين ، فإن لم يكن عنده جعلها أربعمائة ، يضعفها له كل سنة ، أو يقضيه . قال : فهذا قوله :
لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً
. وأما قوله :
وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
فإنه يعني : واتقوا الله أيها المؤمنون في أمر الربا فلا تأكلوه ، وفي غيره مما أمركم به ، أو نهاكم عنه ، وأطيعوه فيه لعلكم تفلحون ، يقول : لتنجحوا فتنجوا من عقابه ، وتدركوا ما رغبكم فيه من ثوابه ، والخلود في جنانه . كما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق :
وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
أي فأطيعوا الله لعلكم أن تنجوا مما حذركم من عذابه ، وتدركوا ما رغبكم فيه من ثوابه . القول في تأويل قوله تعالى :
وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ
يقول تعالى ذكره للمؤمنين : واتقوا أيها المؤمنون النار أن تصلوها بأكلكم الربا بعد نهيي إياكم عنه التي أعددتها لمن كفر بي ، فتدخلوا مداخلهم بعد إيمانكم بي بخلافكم أمري ، وترككم طاعتي . كما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق :
وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ
التي جعلت دارا لمن كفر بي . القول في تأويل قوله تعالى :
وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
يعني بذلك جل ثناؤه : وأطيعوا الله أيها المؤمنون فيما نهاكم عنه من أكل الربا وغيره من الأشياء ، وفيما أمركم به الرسول . يقول : وأطيعوا الرسول أيضا كذلك لعلكم ترحمون ، يقول : لترحموا فلا تعذبوا . وقد قيل : إن ذلك معاتبة من الله عز وجل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين خالفوا أمره يوم أحد ، فأخلوا بمراكزهم التي أمروا بالثبات عليها . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة عن ابن إسحاق :
وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
معاتبة للذين عصوا رسوله حين أمرهم بالذي أمرهم به في ذلك اليوم وفي غيره ، يعني في يوم أحد . القول في تأويل قوله تعالى :
وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ
يعني تعالى ذكره بقوله :
وَسارِعُوا
وبادروا وسابقوا إلى مغفرة من ربكم ، يعني : إلى ما يستر عليكم ذنوبكم من رحمته ، وما يغطيها عليكم من عفوه عن عقوبتكم عليها
وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ
يعنى سارعوا أيضا إلى جنة عرضها السماوات