وذلك أكثر في أشعارهم وكلامهم من أن يحصى . غير أن ذلك وإن كان بمعنى فرض ، فإنه عندي مأخوذ من الكتاب الذي هو رسم وخط ، وذلك أن الله تعالى ذكره قد كتب جميع ما فرض على عباده وما هم عاملوه في اللوح المحفوظ ، فقال تعالى ذكره في القرآن :
بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ
وقال :
إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ
فقد تبين بذلك أن كل ما فرضه علينا ففي اللوح المحفوظ مكتوب فمعنى قول إذ كان ذلك كذلك :
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ
كتب عليكم في اللوح المحفوظ القصاص في القتلى فرضا أن لا تقتلوا بالمقتول غير قاتله . وأما القصاص فإنه من قول القائل : قاصصت فلانا حقي قبله من حقه قبلي ، قصاصا ومقاصة فقتل القاتل بالذي قتله قصاص ، لأَنه مفعول به مثل الذي فعل بمن قتله ، وإن كان أحد الفعلين عدوانا والآخر حقا فهما وإن اختلفا من هذا الوجه ، فهما متفقان في أن كل واحد قد فعل بصاحبه مثل الذي فعل صاحبه به ، وجعل فعل ولي القتيل الأَول إذا قتل قاتل وليه قصاصا ، إذ كان بسبب قتله استحق قتل من قتله ، فكأن وليه المقتول هو الذي ولى قتل قاتله فاقتص منه . وأما القتلى فإنها جمع قتيل ، كما الصرعى جمع صريع ، والجرحى جمع جريح . وإنما يجمع الفعيل على الفعلي ، إذا كان صفة للموصوف به بمعنى الزمانة والضرر الذي لا يقدر معه صاحبه على البراح من موضعه ومصرعه ، نحو القتلى في معاركهم ، والصرعى في مواضعهم ، والجرحى وما أشبه ذلك فتأويل الكلام إذن : فرض عليكم أيها المؤمنون القصاص في القتلى أن يقتص الحر بالحر والعبد بالعبد ، والأنثى بالأنثى . ثم ترك ذكر أن يقتص اكتفاء بدلالة قوله :
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ
عليه . القول في تأويل قوله تعالى :
فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ
اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم : تأويله : فمن ترك له من القتل ظلما من الواجب كان لأَخيه عليه من القصاص ، وهو الشيء الذي قال الله :
فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ
من العافي للقاتل بالواجب له قبله من الدية وأداء من المعفو عنه ذلك إليه بإحسان . ذكر من قال ذلك : حدثنا أبو كريب وأحمد بن حماد الدولابي ، قال : ثنا سفيان بن عيينة ، عن عمرو ، عن مجاهد ، عن ابن عباس :
فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ
فالعفو أن يقبل الدية في العمد ، واتباع بالمعروف أن يطلب هذا بمعروف ويؤدي هذا بإحسان . حدثني المثنى ، قال : ثنا حجاج بن المنهال قال : ثنا حماد بن سلمة ، قال :
ثنا عمرو بن دينار ، عن جابر بن زيد ، عن ابن عباس أنه قال في قوله :
فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ
فقال : هو العمد يرضى أهله بالدية
فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ
أمر به الطالب
وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ
من المطلوب . حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن سفيان ، قال : ثنا أبي ، وحدثني المثنى ، قال : ثنا سويد بن نصر قالا جميعا : أخبرنا ابن المبارك ، عن محمد بن مسلم ، عن عمرو بن دينار ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، قال : الذي يقبل الدية ذلك منه عفو ، واتباع بالمعروف ، ويؤدي إليه الذي عفي له من أخيه بإحسان . حدثني محمد بن سعد قال :
حدثني أبي ، قال : حدثني عمي ، قال : حدثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس قوله :
فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ
وهي الدية أن يحسن الطالب الطلب
وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ
وهو أن يحسن المطلوب الأَداء . حدثني محمد بن عمرو قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد :
فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ
والعفو الذي يعفو عن الدم ، ويأخذ الدية . حدثنا سفيان ، قال : ثنا أبي ، عن سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد :
فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ
قال : الدية . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن يزيد ، عن إبراهيم ، عن الحسن :
وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ
قال : على هذا الطالب أن يطلب بالمعروف ، وعلى هذا المطلوب أن يؤدي بإحسان . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد :
فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ
والعفو : الذي يعفو عن الدم ، ويأخذ الدية . حدثني محمد بن المثنى ، قال : ثنا أبو الوليد ، قال : ثنا حماد ، عن داود بن أبي هند ، عن الشعبي في قوله :
فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ
قال : هو العمد يرضى أهله بالدية . حدثني المثنى ، قال : ثنا الحجاج ، قال : ثنا حماد ، عن داود ، عن الشعبي ، مثله . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ،