قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله :
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ
الآية كلها : هم أهل الكتاب كتموا ما أنزل الله عليهم وبين لهم من الحق والهدى من بعث محمد صلى الله عليه وسلم وأمره . حدثنا المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر عن أبيه ، عن الربيع في قوله :
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا
قال : هم أهل الكتاب كتموا ما أنزل الله عليهم من الحق والإِسلام وشأن محمد صلى الله عليه وسلم . حدثني موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي :
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ
فهؤلاء اليهود كتموا اسم محمد صلى الله عليه وسلم . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن عكرمة قوله :
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ
والتي في آل عمران :
إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا
نزلتا جميعا في يهود . وأما تأويل قوله :
وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا
فإنه يعني : يبتاعون به . والهاء التي في " به " من ذكر الكتمان ، فمعناه : ابتاعوا بكتمانهم ما كتموا الناس من أمر محمد صلى الله عليه وسلم وأمر نبوته ثمنا قليلا . وذلك أن الذي كانوا يعطون على تحريفهم كتاب الله وتأويلهموه على غير وجهه وكتمانهم الحق في ذلك ، اليسير من عرض الدنيا . كما : حدثني موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي :
وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا
قال : كتموا اسم محمد صلى الله عليه وسلم ، وأخذوا عليه طمعا قليلا ، فهو الثمن القليل . وقد بينت فيما مضى صفة اشترائهم ذلك بما أغنى عن إعادته هاهنا . القول في تأويل قوله تعالى :
أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا
يعني تعالى ذكره بقوله :
أُولئِكَ
هؤلاء الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب في شأن محمد صلى الله عليه وسلم بالخسيس من الرشوة يعطونها ، فيحرفون لذلك آيات الله ويغيرون معانيها .
ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ
بأكلهم ما أكلوا من الرشا على ذلك والجعالة وماأخذوا عليه من الأَجر
إِلَّا النَّارَ
، يعني إلا ما يوردهم النار ويصليهموها ، كما قال تعالى ذكره :
إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً
معناه : ما يأكلون في بطونهم إلا ما يوردهم النار بأكلهم . فاستغنى بذكر النار وفهم السامعين معنى الكلام عن ذكر ما يوردهم أو يدخلهم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع :
أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ
يقول : ما أخذوا عليه من الأَجر . فإن قال قائل : فهل يكون الأَكل في غير البطن فيقال : ما يأكلون في بطونهم ؟ قيل : قد تقول العرب جعت في غير بطني ، وشبعت في غير بطني ، فقيل في بطونهم لذلك كما يقال : فعل فلان هذا نفسه وقد بينا ذلك في غير هذا الموضع فيما مضى . وأما قوله :
وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ
يقول : ولا يكلمهم بما يحبون ويشتهون ، فأما بما يسوءهم ويكرهون فإنه سيكلمهم ؛ لأَنه قد أخبر تعالى ذكره أنه يقول لهم إذا قالوا :
رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ
قال :
اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ
لآيتين . وأما قوله :
وَلا يُزَكِّيهِمْ
فإنه يعني : ولا يطهرهم من دنس ذنوبهم وكفرهم ،
وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
يعني موجع . القول في تأويل قوله تعالى :
أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ
يعني تعالى ذكره بقوله :
أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى
أولئك الذين أخذوا الضلالة وتركوا الهدى ، وأخذوا ما يوجب لهم عذاب الله يوم القيامة وتركوا ما يوجب لهم غفرانه ورضوانه . فاستغنى بذكر العذاب والمغفرة من ذكر السبب الذي يوجبهما ، لفهم سامعي ذلك لمعناه والمراد منه . وقد بينا نظائر ذلك فيما مضى ، وكذلك بينا وجه :
اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى
باختلاف المختلفين والدلالة الشاهدة بما اخترنا من القول فيما مضى قبل فكرهنا إعادته .
القول في تأويل قوله تعالى :
فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ
. اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم : معنى ذلك : فما أجرأهم على العمل الذي يقربهم إلى النار . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر بن معاذ ، قال :
ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة :
فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ
يقول : فما أجرأهم على العمل الذي يقربهم إلى النار .
حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله :
فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ