تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 404

مساهمون:

ص٤٠٤
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمر ، قال : ثنا أبو عاصم عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله :
وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ
يقول : ولولا دفع الله بالبار عن الفاجر ، ودفعه ببقية أخلاف الناس بعضهم عن بعض لفسدت الأَرض بهلاك أهلها . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا سبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد :
وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ
يقول : ولولا دفاع الله بالبر عن الفاجر ، وببقية أخلاف الناس بعضهم عن بعض لهلك أهلها . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن حنظلة ، عن أبي مسلم ، قال : سمعت عليا يقول : لولا بقية من المسلمين فيكم لهلكتم . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع في قوله :
وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ
يقول : لهلك من في الأَرض . حدثني أبو حميد الحمصي أحمد بن المغيرة ، قال : ثنا يحيى بن سعيد ، قال : ثنا حفص بن سليمان ، عن محمد بن سوقة ، عن وبرة بن عبد الرحمن ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله ليدفع بالمؤمن الصالح عن مائة أهل بيت من جيرانه البلاء " ثم قرأ ابن عمر :
وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ
حدثني أحمد أبو حميد الحمصي ، قال : ثنا يحيى بن سعيد ، قال : ثنا عثمان بن عبد الرحمن ، عن محمد بن المنكدر ، عن جابر بن عبد الله ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله ليصلح بصلاح الرجل المسلم ولده وولد ولده وأهل دويرته ودويرات حوله ، ولا يزالون في حفظ الله ما دام فيهم " . وقد دللنا على قوله العالمين ، وذكرنا الرواية فيه . وأما القراء فإنها اختلفت في قراءة قوله :
وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ
. فقرأته جماعة من القراء :
وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ
على وجه المصدر من قول القائل : دفع الله عن خلقه ، فهو يدفع دفعا . واحتجت لاختيارها ذلك بأن الله تعالى ذكره ، هو المتفرد بالدفع عن خلقه ، ولا أحد يدافعه فيغالبه . وقرأت ذلك جماعة أخرى من القراء : " ولولا دفاع الله الناس " على وجه المصدر من قول القائل : دافع الله عن خلقه ، فهو يدافع مدافعة ودفاعا . واحتجت لاختيارها ذلك بأن كثيرا من خلقه يعادون أهل دين الله ، وولايته والمؤمنين به ، فهو بمحاربتهم إياهم ومعادتهم لهم لله مدافعون بباطلهم ، ومغالبون بجهلهم ، والله مدافعهم عن أوليائه وأهل طاعته والإِيمان به . والقول في ذلك عندي أنهما قراءتان قد قرأت بهما القراء وجاءت بهما جماعة الأَمة ، وليس في القراءة بأحد الحرفين إحالة معنى الآخر . وذلك أن من دافع غيره عن شيء ، فمدافعه عنه دافع ، ومتى امتنع المدفوع عن الاندفاع ، فهو لمدافعه مدافع ؛ ولا شك أن جالوت وجنوده كانوا بقتالهم طالوت وجنوده ، محاولين مغالبة حزب الله وجنده ، وكان في محاولتهم ذلك محاولة مغالبة الله ودفاعه عما قد تضمن لهم من النصرة ، وذلك هو معنى مدافعة الله عن الذين دافع الله عنهم بمن قاتل جالوت وجنوده من أوليائه . فتبين إذا أن سواء قراءة من قرأ :
وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ
وقراءة من قرأ : " ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض " في التأويل والمعنى . القول في تأويل قوله تعالى :
تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ
يعني تعالى ذكره بقوله :
تِلْكَ آياتُ اللَّهِ
هذه الآيات التي اقتص الله فيها أمر الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت ، وأمر الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى الذين سألوا نبيهم أن يبعث لهم طالوت ملكا وما بعدها من الآيات إلى قوله :
وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ
ويعني بقوله :
آياتُ اللَّهِ
حججه وأعلامه وأدلته . يقول الله تعالى ذكره : فهذه الحجج التي أخبرتك بها يا محمد ، وأعلمتك من قدرتي على إماتة من هرب