وكذلك يقال لكل معين رجلا على غيره هو معه بمعنى هو معه بالعون له والنصرة . القول في تأويل قوله تعالى :
وَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ
يعني تعالى ذكره بقوله :
وَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ
ولما برز طالوت وجنوده لجالوت وجنوده . ومعنى قوله :
بَرَزُوا
صاروا بالبراز من الأَرض ، وهو ما ظهر منها واستوى ، ولذلك قيل للرجل القاضي حاجته : تبرز ؛ لأَن الناس قديما في الجاهلية إنما كانوا يقضون حاجتهم في البراز من الأَرض ، فقيل : قد تبرز فلان : إذا خرج إلى البراز من الأَرض لذلك ، كما قيل تغوط لأَنهم كانوا يقضون حاجتهم في الغائط من الأَرض وهو المطمئن منها ، فقيل للرجال : تغوط ، أي صار إلى الغائط من الأَرض . وأما قوله :
رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً
فإنه يعني أن طالوت وأصحابه قالوا :
رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً
يعني أنزل علينا صبرا . وقوله :
وَثَبِّتْ أَقْدامَنا
يعني : وقو قلوبنا على جهادهم لتثبت أقدامنا فلا نهزم عنهم ،
وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ
الذين كفروا بك فجحدوك إلها وعبدوا غيرك واتخذوا الأَوثان أربابا . القول في تأويل قوله تعالى :
فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ
يعني تعالى ذكره بقوله : فهزم طالوت وجنوده أصحاب جالوت ، وقتل داود جالوت . وفي هذا الكلام متروك ترك ذكره اكتفاء بدلالة ما ظهر منه عليه . وذلك أن معنى الكلام : ولما برزوا لجالوت وجنوده ، قالوا : ربنا أفرغ علينا صبرا ، وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين فاستجاب لهم ربهم ، فأفرغ عليهم صبره ، وثبت أقدامهم ونصرهم على القوم الكافرين ، فهزموهم بإذن الله . ولكنه ترك ذكر ذلك اكتفاء بدلالة قوله :
فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ
على أن الله قد أجاب دعاءهم الذي دعوه به . ومعنى قوله :
فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ
قتلوهم بقضاء الله وقدره ، يقال منه : هزم القوم الجيش هزيمة وهزيمي .
وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ
وداود هذا هو داود بن إيشا نبي الله صلى الله عليه وسلم . وكان سبب قتله إياه كما : حدثنا الحسن بن يحيى ، قال :
أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا بكار بن عبد الله ، قال : سمعت وهب بن منبه يحدث ، قال : لما خرج ، أو قال : لما برز طالوت لجالوت ، قال جالوت : أبرزوا لي من يقاتلني ، فإن قتلني ، فلكم ملكي ، وإن قتلته فلي ملككم فأتي بداود إلى طالوت ، فقاضاه إن قتله أن ينكحه ابنته وأن يحكمه في ماله . فألبسه طالوت سلاحا ، فكره داود أن يقاتله ، وقال :
إن الله لم ينصرني عليه لم يغن السلاح . فخرج إليه بالمقلاع وبمخلاة فيها أحجار ، ثم برز له ، قال له جالوت : أنت تقاتلني ؟ قال داود : نعم . قال : ويلك أما تخرج إلي إلا كما يخرج إلى الكلب بالمقلاع والحجارة ؟ لأَبددن لحمك ، ولأَطعمنه اليوم الطير والسباع فقال له داود : بل أنت عدو الله شر من الكلب . فأخذ داود حجرا ورماه بالمقلاع ، فأصابت بين عينيه حتى نفذت في دماغه ، فصرع جالوت ، وانهزم من معه ، واحتز داود رأسه . فلما رجعوا إلى طالوت ادعى الناس قتل جالوت ، فمنهم من يأتي بالسيف وبالشيء من سلاحه أو جسده ، وخبأ داود رأسه ، فقال طالوت : من جاء برأسه فهو الذي قتله . فجاء به داود . ثم قال لطالوت : أعطني ما وعدتني فندم طالوت على ما كان شرط له ، وقال : إن بنات الملوك