الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى بنا من غيره . فإذ كان ذلك هو الواجب ، فبين أن تأويل الآية : الطلاق الذي لأَزواج النساء على نسائهم فيه الرجعة مرتان ، ثم الأَمر بعد ذلك إذا راجعوهن في الثانية ، إما إمساك بمعروف ، وإما تسريح منهم لهن بإحسان بالتطليقة الثالثة حتى تبين منهم ، فتبطل ما كان لهن عليهن من الرجعة ويصرن أملك لأَنفسهن منهن . فإن قال قائل : وما ذلك الإِمساك الذي هو بمعروف ؟ قيل : هو ما : حدثنا به علي بن عبد الأَعلى المحاربي ، قال : ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي ، عن جويبر ، عن الضحاك في قوله :
فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ
قال : المعروف : أن يحسن صحبتها حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس :
فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ
قال : ليتق الله في التطليقة الثالثة ، فإما أن يمسكها بمعروف فيحسن صحابتها فإن قال : فما التسريح بإحسان ؟ قيل : هو ما : حدثني به المثنى ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس :
أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ
قيل : يسرحها ، ولا يظلمها من حقها شيئا حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس :
فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ
قال : هو الميثاق الغليظ حدثني موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي :
أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ
قال : الإِحسان : أن يوفيها حقها ، فلا يؤذيها ، ولا يشتمها حدثنا علي بن عبد الأَعلى ، قال : ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي ، عن جويبر ، عن الضحاك :
أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ
قال : التسريح بإحسان : أن يدعها حتى تمضي عدتها ، ويعطيها مهرا إن كان لها عليه إذا طلقها . فذلك التسريح بإحسان ، والمتعة على قدر الميسرة حدثني المثنى ، قال : ثنا سويد بن نصر ، قال : أخبرنا ابن المبارك ، عن ابن جريج ، عن عطاء الخراساني ، عن ابن عباس في قوله :
وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً
قال قوله :
فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ
فإن قال : فما الرافع للإِمساك والتسريح ؟ قيل : محذوف اكتفي بدلالة ما ظهر من الكلام من ذكره ، ومعناه : الطلاق مرتان ، فالأَمر الواجب حينئذ به إمساك بمعروف ، أو تسريح بإحسان . وقد بينا ذلك مفسرا في قوله :
فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ
فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع . القول في تأويل قوله تعالى :
وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً
يعني تعالى ذكره بقوله :
وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً
ولا يحل لكم أيها الرجال أن تأخذوا من نسائكم إذا أنتم أردتم طلاقهن بطلاقكم وفراقكم إياهن شيئا مما أعطيتموهن من الصداق ، وسقتم إليهن ، بل الواجب عليكم تسريحهن بإحسان ، وذلك إيفادهن حقوقهن من الصداق والمتعة وغير ذلك مما يجب لهن عليكم إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله الخلع . واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأه بعضهم :
إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ
وذلك قراءة عظم أهل الحجاز والبصرة بمعنى إلا أن يخاف الرجل والمرأة أن لا يقيما حدود الله ، وقد ذكر أن ذلك في قراءة أبي بن كعب : " إلا أن يظنا ألا يقيما حدود الله " . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، قال : أخبرني ثور ، عن ميمون بن مهران ، قال : في حرف أبي بن كعب إن الفداء تطليقة . قال : فذكرت ذلك لأَيوب ، فأتينا رجلا عنده مصحف قديم لأَبي خرج من ثقة ، فقرأناه فإذا فيه : " إلا أن يظنا يخافا ألا يقيما حدود الله ، فإن ظنا ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به " : لا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره والعرب قد تضع الظن موضع الخوف والخوف موضع الظن في كلامها لتقارب معنييهما ، كما قال الشاعر :