وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ
فإنه يعني : ويعلمكم من أخبار الأَنبياء ، وقصص الأَمم الخالية ، والخبر عما هو حادث وكائن من الأَمور التي لم تكن العرب تعلمها ، فعلموها من رسول الله صلى الله عليه وسلم . فأخبرهم جل ثناؤه أن ذلك كله إنما يدركونه برسوله صلى الله عليه وسلم . القول في تأويل قوله تعالى :
فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ
يعني تعالى ذكره بذلك : فاذكروني أيها المؤمنون بطاعتكم إياي فيما آمركم به وفيما أنهاكم عنه ، أذكركم برحمتي إياكم ومغفرتي لكم . كما : حدثنا ابن حميد قال : ثنا ابن المبارك ، عن ابن لهيعة ، عن عطاء بن دينار ، عن سعيد بن جبير :
فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ
قال : أذكروني بطاعتي ، أذكركم بمغفرتي . وقد كان بعضهم يتأول ذلك أنه من الذكر بالثناء والمدح . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع في قوله :
فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ
إن الله ذاكر من ذكره ، وزائد من شكره ، ومعذب من كفره . حدثني موسى قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي :
فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ
قال : ليس من عبد يذكر الله إلا ذكره الله ، لا يذكره مؤمن إلا ذكره برحمة ، ولا يذكره كافر إلا ذكره بعذاب . القول في تأويل قوله تعالى :
وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ
يعني تعالى ذكره بذلك : اشكروا لي أيها المؤمنون فيما أنعمت عليكم من الإِسلام والهداية للدين الذي شرعته لأَنبيائي وأصفيائي
وَلا تَكْفُرُونِ
يقول : ولا تجحدوا إحساني إليكم ، فأسلبكم نعمتي التي أنعمت عليكم ، ولكن اشكروا لي عليها ، وأزيدكم فأتمم نعمتي عليكم ، وأهديكم لما هديت له من رضيت عنه من عبادي ، فإني وعدت خلقي أن من شكر لي زدته ، ومن كفرني حرمته وسلبته ما أعطيته . والعرب تقول : نصحت لك والشكر شكرت لك ، ولا تكاد تقول نصحتك ، وربما قالت شكرتك ونصحتك ، من ذلك قول الشاعر :
هم جمعوا بؤسى ونعمى عليكم * فهلا شكرت القوم إن لم تقاتل
وقال النابغة في " نصحتك " :
نصحت بني عوف فلم يتقبلوا * رسولي ولم لم تنجح لديهم وسائلي
وقد دللنا على أن معنى الشكر : الثناء على الرجل بأفعاله المحمودة ، وأن معنى الكفر تغطية الشيء ، فيما مضى قبل فأغني ذلك عن إعادته هاهنا . القول في تأويل قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ
وهذه الآية حض من الله تعالى ذكره على طاعته واحتمال مكروهها على الأَبدان والأَموال ، فقال : يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة على القيام بطاعتي وأداء فرائضي في ناسخ أحكامي والانصراف عما أنسخه منها إلى الذي أحدثه لكم من فرائضي وأنقلكم إليه من أحكامي ، والتسليم لأَمري فيما آمركم به في حين إلزامكم حكمه ، والتحول عنه بعد تحويلي إياكم عنه ، وإن لحقكم في ذلك مكروه من مقالة أعدائكم من الكفار بقذفهم لكم الباطل ، أو مشقة على أبدانكم في قيامكم به أو نقص في أموالكم وعلى جهاد أعدائكم وحربهم في سبيلي ، بالصبر منكم في علي مكروه ذلك ومشقته عليكم ، واحتمال عنائه وثقله ، ثم بالفزع منكم فيما ينوبكم من مفظعات الأَمور إلى الصلاة لي ، فإنكم بالصبر على المكاره تدركون مرضاتي ، وبالصلاة لي تستنجحون طلباتكم قبلي وتدركون حاجاتكم عندي ، فإني مع الصابرين على القيام بأداء فرائضي وترك معاصي ، أنصرهم وأرعاهم وأكلؤهم حتى يظفروا بما طلبوا وأملوا قبلي ؛ وقد بينت معنى الصبر والصلاة فيما مضى قبل فكرهنا إعادته . كما : حدثني المثنى ، قال : ثنا آدم ، قال : ثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية في قوله :
وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ
يقول : استعينوا بالصبر والصلاة على مرضاة الله ، واعلموا أنهما من طاعة الله . حدثنا عن عمار ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع قوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ
اعلموا أنهما عون على طاعة الله . وأما قوله :
إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ
فإن تأويله : فإن الله ناصره وظهيره وراض بفعله ، كقول القائل : افعل يا فلان كذا وأنا معك ، يعني إني ناصرك على فعلك ذلك ومعينك عليه . القول في تأويل قوله تعالى :
وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ