تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً
يقول : أينما تكونوا يأت بكم الله جميعا يوم القيامة . حدثنا موسى ، قال : ثنا عمرو بن حماد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي :
أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً
يعني يوم القيامة . وإنما حض الله عز وجل المؤمنين بهذه الآية على طاعته والتزود في الدنيا للآخرة ، فقال جل ثناؤه لهم : استبقوا أيها المؤمنون إلى العمل بطاعة ربكم ، ولزوم ما هداكم له من قبلة إبراهيم خليله وشرائع دينه ، فإن الله تعالى ذكره يأتي بكم وبمن خالف قبلتكم ودينكم وشريعتكم جميعا يوم القيامة من حيث كنتم من بقاع الأَرض ، حتى يوفى المحسن منكم جزاءه بإحسانه ، والمسئ عقابه بإساءته ، أو يتفضل فيصفح . وأما قوله :
إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
فإنه تعالى ذكره يعني أن الله تعالى على جمعكم بعد مماتكم من قبوركم من حيث كنتم وعلى غير ذلك مما يشاء قدير ، فبادروا خروج أنفسكم بالصالحات من الأَعمال قبل مماتكم ليوم بعثكم وحشركم . القول في تأويل قوله تعالى :
وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ . . .
عَمَّا تَعْمَلُونَ
يعني جل ثناؤه بقوله :
وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ
ومن أي موضع خرجت إلى أي موضع وجهت فول يا محمد وجهك يقول : حول وجهك . وقد دللنا على أن التولية في هذا الموضع شطر المسجد الحرام ، إنما هي الإِقبال بالوجه نحوه ؛ وقد بينا معنى الشطر فيما مضى . وأما قوله :
وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ
فإنه يعني تعالى ذكره : وإن التوجه شطره للحق الذي لا شك فيه من عند ربك ، فحافظوا عليه ، وأطيعوا الله في توجهكم قبله . وأما قوله :
وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
فإنه يقول : فإن الله تعالى ذكره ليس بساه عن أعمالكم ولا بغافل عنها ، ولكنه محصيها لكم حتى يجازيكم بها يوم القيامة . القول في تأويل قوله تعالى :
وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ
يعني بقوله تعالى ذكره :
وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ
من أي مكان وبقعة شخصت فخرجت يا محمد ، فول وجهك تلقاء المسجد الحرام ؛ وهو شطره . ويعني بقوله :
وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ
وأينما كنتم أيها المؤمنون من أرض الله فولوا وجوهكم في صلاتكم تجاهه وقبله وقصده . القول في تأويل قوله تعالى :
لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ
فقال جماعة من أهل التأويل : عنى الله تعالى بالناس في قوله :
لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ
. أهل الكتاب . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد بن زريع ، قال :
ثنا سعيد ، عن قتادة قوله :
لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ
يعني بذلك أهل الكتاب ، قالوا حين صرف نبي الله صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة البيت الحرام : اشتاق الرجل إلى بيت أبيه ودين قومه . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع في قوله :
لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ
يعني بذلك أهل الكتاب ، قالوا حين صرف نبي الله صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة اشتاق الرجل إلى بيت أبيه ودين قومه . فإن قال قائل : فأية حجة كانت لأَهل الكتاب بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه نحو بيت المقدس على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ؟ قيل : قد ذكرنا فيما مضى ما روي في ذلك ، قيل إنهم كانوا يقولون :
ما درى محمد وأصحابه أين قبلتهم حتى هديناهم نحن ، وقولهم : يخالفنا محمد في ديننا ويتبع قبلتنا فهي الحجة التي كانوا يحتجون بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه على وجه الخصومة منهم لهم ، والتمويه منهم بها على الجهال وأهل العناد من المشركين . وقد بينا فيما مضى أن معنى حجاج القوم إياه الذي ذكره الله تعالى ذكره في كتابه إنما هي الخصومات والجدال ، فقطع الله جل ثناؤه ذلك من حجتهم وحسمه بتحويل قبلة نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به من قبلة اليهود إلى قبلة خليله إبراهيم عليه السلام ، وذلك هو معنى قول الله جل ثناؤه :
لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ
يعني بالناس : الذين كانوا يحتجون عليهم بما وصفت . وأما قوله :
إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ
فإنهم مشركو العرب من قريش فيما تأوله أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال :
ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد :
إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ
قوم محمد صلى الله عليه وسلم .
حدثني موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو بن حماد ، قال : ثنا أسباط عن السدي ، قال : هم المشركون من أهل