طريق من أنعمت عليم بطاعتك وعبادتك من الملائكة والنبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، الذين أطاعوك وعبدوك . وحدثني أحمد بن حازم الغفاري ، قال : أخبرنا عبيد الله بن موسى ، عن أبي جعفر عن ربيع :
صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ
قال : النبيون . وحدثني القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج عن ابن جريج ، قال : قال ابن عباس :
أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ
قال : المؤمنين .
وحدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : قال وكيع
أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ
المسلمين . وحدثني يونس بن عبد الأَعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال عبد الرحمن بن زيد في قول الله :
صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ
قال : النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه . قال أبو جعفر : وفي هذه الآية دليل واضح على أن طاعة الله جل ثناؤه لا ينالها المطيعون إلا بإنعام الله بها عليهم وتوفيقه إياهم لها . أو لا يسمعونه يقول :
صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ
فأضاف كل ما كان منهم من اهتداء وطاعة وعبادة إلى أنه إنعام منه عليهم ؟ فإن قال قائل : وأين تمام هذا الخبر ، وقد علمت أن قول القائل لآخر : أنعمت عليك ، مقتض الخبر عما أنعم به عليه ، فأين ذلك الخبر في قوله :
صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ
وما تلك النعمة التي أنعمها عليهم ؟ قيل له : قد قدمنا البيان فيما مضى من كتابنا هذا عن إجراء العرب في منطقها ببعض من بعض إذا كان البعض الظاهر دالا على البعض الباطن وكافيا منه ، فقوله :
صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ
من ذلك ؛ لأَن أمر الله جل ثناؤه عباده بمسألته المعونة وطلبهم منه الهداية للصراط المستقيم لما كان متقدما قوله :
صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ
الذي هو إبانة عن الصراط المستقيم ، وإبدال منه ، كان معلوما أن النعمة التي أنعم الله بها على من أمرنا بمسألته الهداية لطريقهم هو المنهاج القويم والصراط المستقيم الذي قد قدمنا البيان عن تأويله آنفا ، فكان ظاهر ما ظهر من ذلك مع قرب تجاور الكلمتين مغنيا عن تكراره كما قال نابغة بني ذبيان :
كأنك من جمال بني أقيش * يقعقع خلف رجليه بشن
يريد كأنك من جمال بني أقيش جمل يقعقع خلف رجليه بشن ، فاكتفى بما ظهر من ذكر الجمال الدال على المحذوف من إظهار ما حذف . وكما قال الفرزدق بن غالب :
ترى أرباقهم متقلديها * إذا صدئ الحديد على الكماة
يريد : متقلديها هم ، فحذف هم " إذ كان الظاهر من قوله : " وأرباقهم " دالا عليها . والشواهد على ذلك من شعر العرب وكلامها أكثر من أن تحصى ، فكذلك ذلك في قوله :
صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ
القول في تأويل قوله تعالى :
غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ
قال أبو جعفر : والقراء مجمعة على قراءة " غير " بجر الراء منها .
والخفض يأتيها من وجهين : أحدهما أن يكون غير صفة للذين ونعتا لهم فتخفضها ، إذ كان " الذين " خفضا وهي لهم نعت وصفة ؛ وإنما جاز أن يكون " غير " نعتا ل " الذين " ، و " الذين " معرفة وغير نكرة ؛ لأَن " الذين " بصلتها ليست بالمعرفة المؤقتة كالأَسماء التي هي أمارات بين الناس ، مثل : زيد وعمرو ، وما أشبه ذلك ؛ وإنما هي كالنكرات المجهولات ، مثل : الرجل والبعير ، وما أشبه ذلك ؛ فما كان " الذين " كذلك صفتها ، وكانت غير مضافة إلى مجهول من الأَسماء نظير " الذين " في أنه معرفة غير موقتة كما " الذين " معرفة غير مؤقتة ، جاز من أجل ذلك أن يكون :
غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ
نعتا ل
الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ
كما يقال : لا أجلس إلا إلى العالم غير الجاهل ، يراد : لا أجلس إلا إلى من يعلم ، لا إلى من يجهل . ولو كأن
الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ
معرفة موقتة كان غير جائز أن يكون
غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ
لها نعتا ، وذلك