تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 393

مساهمون:

ص٣٩٣
وهذا الكلام وإن كان ظاهره ظاهر دعاء القائلين :
لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى
إلى إحضار حجة على دعواهم ما ادعوا من ذلك ، فإنه بمعنى تكذيب من الله لهم في دعواهم وقيلهم ؛ لأَنهم لم يكونوا قادرين على إحضار برهان على دعواهم تلك أبدا . وقد أبان قوله :
بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ
على أن الذي ذكرنا من الكلام بمعنى التكذيب لليهود والنصارى في دعواهم ما ذكر الله عنهم . وأما تأويل قوله :
قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ
فإنه : أحضروا وأتوا به . القول في تأويل قوله تعالى :
بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ
يعني بقوله جل ثناؤه :
بَلى مَنْ أَسْلَمَ
أنه ليس كما قال الزاعمون
لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى
ولكن من أسلم وجهه لله وهو محسن ، فهو الذي يدخلها وينعم فيها . كما : حدثني موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قال : أخبرهم أن من يدخل الجنة هو من أسلم وجهه لله الآية . وقد بينا معنى
بَلى
فيما مضى قبل . وأما قوله :
مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ
فإنه يعني بإسلام الوجه التذلل لطاعته والإِذعان لأَمره . وأصل الإِسلام : الاستسلام ؛ لأَنه من استسلمت لأَمره ، وهو الخضوع لأَمره . وإنما سمي المسلم مسلما بخضوع جوارحه لطاعة ربه . كما : حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع :
بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ
يقول : أخلص لله . وكما قال زيد بن عمرو بن نفيل :
وأسلمت وجهي لمن أسلمت * له المزن تحمل عذبا زلالا
يعني بذلك : استسلمت لطاعة من استسلم لطاعته المزن وانقادت له . وخص الله جل ثناؤه بالخبر عمن أخبر عنه بقوله :
بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ
بإسلام وجهه له دون سائر جوارحه ؛ لأَن أكرم أعضاء ابن آدم وجوارحه وجهه ، وهو أعظمها عليه حرمة وحقا ، فإذا خضع لشيء وجهه الذي هو أكرم أجزاء جسده عليه فغيره من أجزاء جسده أحرى أن يكون أخضع له . ولذلك تذكر العرب في منطقها الخبر عن الشيء فتضيفه إلى وجهه الوجه وهي تعني بذلك نفس الشيء وعينه ، كقول الأَعشى :
أؤول الحكم على وجهه * ليس قضائي بالهوى الجائر
يعني بقوله : " على وجهه " : على ما هو به من صحته وصوابه . وكما قال ذو الرمة :
فطاوعت همي وانجلى وجه بازل * من الأَمر لم يترك خلاجا بزولها
يريد : " وانجلى البازل من الأَمر فتبين " ، وما أشبه ذلك ، إذ كان حسن كل شيء وقبحه في وجهه ، وكان في وصفها من الشيء وجهه بما تصفه به إبانة عن عين الشيء ونفسه . فكذلك معنى قوله جل ثناؤه :
بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ
إنما يعني : بلى من أسلم لله بدنه ، فخضع له بالطاعة جسده ؛
وَهُوَ مُحْسِنٌ
في إسلامه له جسده ،
فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ
. فاكتفى بذكر الوجه من ذكر جسده لدلالة الكلام على المعنى الذي أريد به بذكر الوجه . وأما قوله :
وَهُوَ مُحْسِنٌ
فإنه يعني به في حال إحسانه . وتأويل الكلام : بلى من أخلص طاعته لله وعبادته له محسنا في فعله ذلك . القول في تأويل قوله تعالى :
فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ
. يعنى بقوله جل ثناؤه :
فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ
فللمسلم وجهه لله محسنا
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 393 | محمد بن جرير الطبري