به بين المرء وزوجه ، وذلك قول الله جل ثناؤه :
وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا
وكان يقول :
أما السحر فإنما يعلمه الشياطين ، وأما الذي يعلم الملكان فالتفريق بين المرء وزوجه ، كما قال الله تعالى .
وقال آخرون : جائز أن تكون " ما " بمعنى " الذي " ، وجائز أن تكون " ما " بمعنى " لم " . ذكر من قال ذلك . حدثني يونس بن عبد الأَعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب قال : حدثني الليث بن سعد ، عن يحيى بن سعيد ، عن القاسم بن محمد ، وسأله رجل عن قول الله
يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ
فقال الرجل : يعلمان الناس ما أنزل عليهما ، أم يعلمان الناس ما لم ينزل عليهما ؟ قال القاسم : ما أبالي أيتهما كانت . حدثني يونس بن عبد الأَعلى ، قال : ثنا بشر بن عياض ، عن بعض أصحابه بشر بن عياض ، أن القاسم بن محمد سئل عن قول الله تعالى ذكره :
وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ
فقيل له : أنزل أو لم ينزل ؟ فقال : لا أبالي أي ذلك كان ، إلا أني آمنت به . والصواب من القول في ذلك عندي قول من وجه " ما " التي في قوله :
وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ
إلى معنى " الذي " دون معنى " ما " التي هي بمعنى الجحد . وإنما اخترت ذلك من أجل أن " ما " إن وجهت إلى معنى الجحد ، فتنفي عن الملكين أن يكونا منزلا إليهما . ولم يخل الاسمان اللذان بعدهما أعني هاروت وماروت من أن يكونا بدلا منهما وترجمة عنهما ، أو بدلا من الناس في قوله :
يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ
وترجمة عنهما . فإن جعلا بدلا من الملكين وترجمة عنهما بطل معنى قوله :
وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ
لأَنهما إذا لم يكونا عالمين بما يفرق به بين المرء وزوجه ، فما الذي يتعلم منهما من يفرق بين المرء وزوجه ؟ وبعد ، فإن " ما " التي في قوله :
وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ
إن كانت في معنى الجحد عطفا على قوله :
وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ
فإن الله جل ثناؤه نفى بقوله :
وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ
عن سليمان أن يكون السحر من عمله ، أو من علمه أو تعليمه . فإن كان الذي نفى عن الملكين من ذلك نظير الذي نفى عن سليمان منه ، وهاروت وماروت هما الملكان ، فمن المتعلم منه إذا ما يفرق به بين المرء وزوجه ؟ وعمن الخبر الذي أخبر عنه بقوله :
وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ
إن خطأ هذا القول لواضح بين . وإن كان قوله " هاروت وماروت " ترجمة من الناس الذين في قوله :
وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ
فقد وجب أن تكون الشياطين هي التي تعلم هاروت وماروت السحر ، وتكون السحرة إنما تعلمت السحر من هاروت وماروت عن تعليم الشياطين إياهما . فإن يكن ذلك كذلك ، فلن يخلو هاروت وماروت عند قائل هذه المقالة من أحد أمرين : إما أن يكونا ملكين ، فإن كانا عنده ملكين فقد أوجب لهما من الكفر بالله والمعصية له بنسبته إياهما إلى أنهما يتعلمان من الشياطين السحر ويعلمانه الناس ، وإصرارهما على ذلك ومقامهما عليه أعظم مما ذكر عنهما أنهما أتياه من المعصية التي استحقا عليها العقاب ، وفي خبر الله عز وجل عنهما أنهما لا يعلمان أحدا ما يتعلم منهما حتى يقولا :
إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ
ما يغني عن الإِكثار في الدلالة على خطأ هذا القول . أو أن يكونا رجلين من بني آدم ؛ فإن يكن ذلك كذلك فقد كان يجب أن يكون بهلاكهما قد ارتفع السحر والعلم به والعمل من بني آدم ؛ لأَنه إذا كان علم ذلك من قبلهما يؤخذ ومنهما يتعلم ، فالواجب أن يكون بهلاكهما وعدم وجودهما عدم السبيل إلى الوصول إلى المعنى الذي كان لا يوصل إليه إلا بهما ؛ وفي