قل يا محمد لمعشر اليهود
أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً
أخذتم بما تقولون من ذلك من الله ميثاقا فالله لا ينقض ميثاقه ولا يبدل وعده وعقده ، أم تقولون على الله الباطل جهلا وجراءة عليه ؟ كما : حدثنا محمد بن عمرو ، قال : حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد :
قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً
أي موثقا من الله بذلك أنه كما تقولون . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثني المثنى ، قال : ثنا آدم ، قال : ثنا أبو جعفر ، عن قتادة قال : قالت اليهود : لن ندخل النار إلا تحلة القسم عدة الأَيام التي عبدنا فيها العجل . فقال الله :
أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً
بهذا الذي تقولونه ، ألكم بهذا حجة وبرهان
فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ
فهاتوا حجتكم وبرهانكم
أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ
. حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا عثمان بن سعيد ، عن بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس ، قال : لما قالت اليهود ما قالت ، قال الله جل ثناؤه لمحمد :
قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً
يقول :
أدخرتم عند الله عهدا ؟ يقول : أقلتم لا إله إلا الله لم تشركوا ، ولم تكفروا به ؟ فإن كنتم قلتموها فارجوا بها ، وإن كنتم لم تقولوها فلم تقولون على الله ما لا تعلمون ؟ يقول : لو كنتم قلتم لا إله إلا الله ، ولم تشركوا به شيئا ، ثم متم على ذلك لكان لكم ذخرا عندي ، ولم أخلف وعدي لكم أني أجازيكم بها . حدثني موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط عن السدي ، قال : لما قالت اليهود ما قالت ، قال الله عز وجل :
قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ
وقال في مكان آخر :
وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ
. ثم أخبر الخبر فقال :
بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً
. وهذه الأَقوال التي رويناها عن ابن عباس ومجاهد وقتادة بنحو ما قلنا في تأويل قوله :
قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً
لأَن مما أعطاه الله عباده من ميثاقه أن من آمن به وأطاع أمره نجاه من ناره يوم القيامة . ومن الإِيمان به الإِقرار بأن لا إله إلا الله ، وكذلك من ميثاقه الذي واثقهم به أن من أتى الله يوم القيامة بحجة تكون له نجاة من النار فينجيه منها . وكل ذلك وإن اختلفت ألفاظ قائليه ، فمتفق المعاني على ما قلنا فيه ، والله تعالى أعلم . القول في تأويل قوله تعالى :
بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً
وقوله :
بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً
تكذيب من الله القائلين من اليهود :
لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً
وإخبار منه لهم أنه يعذب من أشرك وكفر به وبرسله وأحاطت به ذنوبه فمخلد في النار ؛ فإن الجنة لا يسكنها إلا أهل الإِيمان به وبرسوله ، وأهل الطاعة له ، والقائمون بحدوده . كما : حدثنا محمد بن حميد ، قال : ثنا سلمة ، قال : حدثني محمد بن إسحاق ، قال : حدثني محمد بن أبي محمد ، عن سعيد بن جبير أو عكرمة ، عن ابن عباس :
بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ
أي من عمل مثل أعمالكم وكفر بمثل ما كفرتم به حتى يحيط كفره بما له من حسنة ،
فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ
. قال : وأما
بَلى
فإنها إقرار في كل كلام في أوله جحد ، كما " نعم " إقرار في الاستفهام الذي لا جحد فيه ، وأصلها " بل " التي هي رجوع عن الجحد المحض في قولك : ما قام عمرو بل زيد ؛ فزيد فيها الياء ليصلح عليها الوقوف ، إذ كانت " بل " لا يصلح عليها الوقوف ، إذ كانت عطفا ورجوعا عن الجحد ، ولتكون أعني بلى رجوعا عن الجحد فقط ، وإقرارا بالفعل الذي بعد الجحد ؛ فدلت الياء منها على معنى الإِقرار والإِنعام ،