اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ
لما كان فيه وفيما بعده من قوله :
ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ
دلالة على المتروك كافية من ذكره اختصر الكلام طلب الإِيجاز . وكذلك حذف ما حذف واختصار ما اختصر من الخبر عن مثل المنافقين بعده ، نظير ما اختصر من الخبر عن مثل المستوقد النار ؛ لأَن معنى الكلام : فكذلك المنافقون ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون بعد الضياء الذي كانوا فيه في الدنيا بما كانوا يظهرون بألسنتهم من الإِقرار بالإِسلام وهم لغيره مستبطنون ، كما ذهب ضوء نار هذا المستوقد بانطفاء ناره وخمودها فبقي في ظلمة لا يبصر ، والهاء والميم في قوله :
ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ
عائدة على الهاء والميم في قوله :
مَثَلُهُمْ
القول في تأويل قوله تعالى :
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ
قال أبو جعفر : وإذ كان تأويل قول الله جل ثناؤه :
ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ
هو ما وصفنا من أن ذلك خبر من الله جل ثناؤه عما هو فاعل بالمنافقين في الآخرة ، عندهتك أستارهم ، وإظهاره فضائح أسرارهم ، وسلبه ضياء أنوارهم من تركهم في ظلم أهوال يوم القيامة يترددون ، وفي حنادسها لا يبصرون ؛ فبين أن قوله جل ثناؤه :
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ
من المؤخر الذي معناه التقديم ، وأن معنى الكلام : أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين ، صم بكم عمي فهم لا يرجعون ؛ مثلم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون ، أو كمثل صيب من السماء .
وإذ كان ذلك معنى الكلام ، فمعلوم أن قوله :
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ
يأتيه الرفع من وجهين ، والنصب من وجهين .
فأما أحد وجهي الرفع ، فعلى الاستئناف لما فيه من الذم ، وقد تفعل العرب ذلك في المدح والذم ، فتنصب وترفع وإن كان خبرا عن معرفة ، كما قال الشاعر :
لا يبعدن قومي الذين هم * سم العداة وآفة الجزر
النازلين بكل معترك * والطيبين معاقد الأَزر
فيروي : " النازلون والنازلين " ؛ وكذلك " الطيبون والطيبين " ، على ما وصفت من المدح . والوجه الآخر على نية التكرير من أولئك ، فيكون المعني حينئذ :
أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ
أولئك
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ
وأما أحد وجهي النصب ، فإن يكون قطعا مما في " مهتدين " ، من ذكر " أولئك " ، لأَن الذي فيه من ذكرهم معرفة ، والصم نكرة . والآخر أن يكون قطعا من " الذين " ، لأَن " الذين " معرفة والصم نكرة . وقد يجوز النصب فيه أيضا على وجه الذم فيكون ذلك وجها من النصب ثالثا . فأما على تأويل ما روينا عن ابن عباس من غير وجه رواية علي بن أبي طلحة عنه ، فإنه لا يجوز فيه الرفع إلا من وجه واحد وهو الاستئناف . وأما النصب فقد يجوز فيه من وجهين : أحدهما الذم ، والآخر القطع من الهاء والميم اللتين في " تركهم " ، أو من ذكرهم في " لا يبصرون " . وقد بينا القول الذي هو أولى بالصواب في تأويل ذلك . والقراءة التي هي القراءة الرفع دون النصب لأَنه ليس لأَحد خلاف رسوم مصاحف المسلمين ، وإذا قرئ نصبا كانت قراءة مخالفة رسم مصاحفهم قال أبو جعفر : وهذا خبر من الله جل ثناؤه عن المنافقين ، أنهم باشترائهم الضلالة بالهدى ، لم يكونوا للهدى والحق مهتدين ، بل هم صم عنهما فلا يسمعونهما لغلبة خذلان الله عليهم ، بكم عن القيل بهما ، فلا ينطقون بهما