تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 105

مساهمون:

ص١٠٥
أن ذلك نظير قول العرب : الغلام يلعب الكعاب ، يراد به يلعب بالكعاب . قال : وذلك أنهم قد يقولون قد مددت له وأمددت له في غير هذا المعنى ، وهو قول الله :
وَأَمْدَدْناهُمْ
وهذا من أمددناهم ، قال : ويقال قد مد البحر فهو ماد ، وأمد الجرح فهو ممد . وحكي عن يونس الجرمي أنه كان يقول : ما كان من الشر فهو " مددت " ، وما كان من الخير فهو " أمددت " . ثم قال : وهو كما فسرت لك إذا أردت أنك تركته فهو مددت له ، وإذا أردت أنك أعطيته قلت : أمددت . وأما بعض نحويي الكوفة فإنه كان يقول : كل زيادة حدثت في الشيء من نفسه فهو " مددت " بغير ألف ، كما تقول : مد النهر ، ومده نهر آخر غيره : إذا اتصل به فصار منه . وكل زيادة أحدثت في الشيء من غيره فهو بألف ، كقولك : " أمد الجرح " ، لأَن المدة من غير الجرح ، وأمددت الجيش بمدد . وأولى هذه الأَقوال بالصواب في قوله :
وَيَمُدُّهُمْ
أن يكون بمعنى يزيدهم ، على وجه الإِملاء والترك لهم في عتوهم وتمردهم ، كما وصف ربنا أنه فعل بنظرائهم في قوله :
وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ
يعني نذرهم ونتركهم فيه ونملي لهم ليزدادوا إثما إلى إثمهم . ولا وجه لقول من قال ذلك بمعنى " يمد لهم " لأَنه لا تدافع بين العرب وأهل المعرفة بلغتها أن يستجيزوا قول القائل : مد النهر نهر آخر ، بمعنى : اتصل به فصار زائدا ماء المتصل به بماء المتصل من غير تأول منهم ، ذلك أن معناه مد النهر نهر آخر ، فكذلك ذلك في قول الله :
وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ
القول في تأويل قوله تعالى :
فِي طُغْيانِهِمْ
قال أبو جعفر : والطغيان الفعلان ، من قولك : طغى فلان يطغى طغيانا إذا تجاوز في الأَمر حده فبغى . ومنه قوله الله :
كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى
أي يتجاوز حده . ومنه قول أمية بن أبي الصلت :
ودعا الله دعوة لات هنا * بعد طغيانه فظل مشيرا
وإنما عنى الله جل ثناؤه بقوله :
وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ
أنه يملي لهم ويذرهم يبغون في ضلالهم وكفرهم حيارى يترددون . كما : حدثت عن المنجاب ، قال : حدثنا بشر ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس في قوله :
فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ
قال : في كفرهم يترددون . وحدثني موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو ، قال : حدثنا أسباط ، عن السدي في خبر ذكره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم :
فِي طُغْيانِهِمْ
في كفرهم . وحدثنا بشر بن معاذ ، قال : حدثنا يزيد بن زريع ، عن سعيد ، عن قتادة :
فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ
أي في ضلالتهم يعمهون . وحدثت عن عمار بن الحسن ، قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع :
فِي طُغْيانِهِمْ
في ضلالتهم . وحدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله :
فِي [ طُغْيانِهِمْ
قال : طغيانهم ، كفرهم وضلالتهم . القول في تأويل قوله تعالى :
يَعْمَهُونَ
قال أبو جعفر : والعمة نفسه : الضلال ، يقال منه : عمه فلان يعمه عمهانا وعموها : إذا ضل . ومنه قول رؤبة بن العجاج يصف مضلة من المهامة :
ومخفق من لهله ولهله * من مهمه يجتبنه في مهمه
أعمى الهدى بالجاهلين العمة
والعمة : جمع عامه ، وهم الذين يضلون فيه فيتحيرون . فمعنى قوله جل ثناؤه :
وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ
في ضلالهم وكفرهم الذي قد غمرهم دنسه وعلاهم رجسه ، يترددون حيارى ضلالا لا يجدون إلى المخرج منه سبيلا ؛ لأَن الله قد طبع على قلوبهم وختم عليها ، فأعمى أبصارهم عن الهدى وأغشاها ، فلا يبصرون رشدا ولا يهتدون سبيلا . وبنحو ما قلنا في " العمة " جاء تأويل المتأولين . حدثني موسى بن هارون ، قال :
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 105 | محمد بن جرير الطبري