هذه النصوص ونظائرها دلت على ابتناء الأحكام على ملاكات وحِكَم ومصالح ومفاسد واقعية على النحو الكلّي . وأما النصوص الواردة في بيان علل الأحكام الفرعية وملاكاتها فهي أكثر من أن تحصى وقد جُمعت في كتاب علل الشرايع والبحار وغيرهما من الجوامع والكتب الروائية فراجع .
ولا يخفى عليك أنّ أصل ابتناء الأحكام الشرعية على المصالح والمفاسد الواقعية مما يحكم به العقل ؛ حيث يرى صدور تشريع الأحكام جزافاً من غير مصلحة ولا علة راجحة مستحيلًا في حق الحكيم ؛ لاستلزامه الترجيح بلا مرجح .
نظرة إلى آراء الفقهاء
لا خلاف بين علماء الإمامية من الفقهاء والمتكلّمين والأصوليين في تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد الواقعية ، ولم يرتابوا في ذلك .
وقد نسب إلى بعض الأشاعرة إنكار ذلك ، فقالوا : إنّ الأحكام لا تدور مدار المصالح والمفاسد الواقعية ، بل الشارع شرّع الأحكام اقتراحاً بلاابتناء على الحسن والقبح العقليين ، ولا المصالح والمفاسد الواقعية .
وأ نّه لا مانع من الترجيح بلا مرجّح .
وهذا القول كما ترى في غاية السخافة والسقوط ؛ فلذا أعرض عنه المحققون من الأشاعرة واكتفوا في ذلك بالمصلحة النوعية القائمة بطبيعة متعلّق الأمر ، فوجّهوا بذلك تعلّقالأمر ببعض أفراد تلك الطبيعة ، وإن لم تكن لذلك البعض خصوصية توجب تعلق الأمر به ، وأ نّه لا مانع من الترجيح بلا مرجّح ، ولكنّه أيضاً مبتلى بالمحذور العقلي .