هؤلاء الأربعة ! ولازمه اجتماع الأمّة بعدها في جميع الأدوار والأعصار على الضلالة والمعصية لتركهم نصب الإمام الجامع للشرائط الآتية على زعمهم ، وقد زعموا أنّه ( ص ) قال : لا تجتمع أمتي على الضلالة والخطأ ! وقد مرّ أدلّتهم عليه - في مدخل الكتاب في الجزء الأوّل - فالإشكال متّجه على جميع الأقوال سوى ما قلنا .
وأمّا القول الرابع فلعلّ مدركه ما ذكر للقول الثالث والخامس ، ويزيف بتزييفهما .
وأمّا حجّة القول السادس فهي أنّ نصب الإمام حين الفتنة يوجب النزاع والهرج ، وردّ بأنّ المنفعة المترتّبة على وجوده أكثر من المضرّة اللازمة من نصبه .
وأمّا مستند القول السابع فهو عدم المقتضي إليه عند الأمن ، لكنّه فاسد ؛ لأنّ في نصب الإمامة فوائد كثيرة لا تحصى ، على أنّ هذين التفصيلين مبنيان على تخيّل تعلّق الوجوب بالناس ؛ وقد عرفت بطلانه .
وأمّا مدرك القول الخامس فأمور :
1 - إنّ في نصب الإمام دفع ضرر مظنون ؛ لأنّا نعلم - علماً يقارب الضرورة - أنّ مقصود الشارع فيما شرع من المعاملات والمناكحات والجهاد والحدود والمقاصات ، وإظهار شعار الشرع في الأعياد ، والجمعات إنّما هو مصالح عائدة إلى الخلق معاشاً ومعاداً . . . وذلك المقصود لا يتمّ إلا بإمام يكون من قبل الشارع يرفعون إليه فيما يعنّ لهم ، فإنّهم مع اختلاف الأهواء وتشتت الآراء ، وما بينهم من الشحناء قلّما ينقاد بعضهم لبعض ، فيفضي ذلك إلى التنازع والتوائب ، وربّما أدّى إلى هلاكهم جميعاً ويشهد له التجربة والفتن القائمة عند موت الولاة إلى نصب آخر . ففي نصب الإمام دفع مضرّة لا يتصوّر أعظم منها فهو من أتمّ مصالح المسلمين ، ودفع الضرر المظنون واجب إجماعاً .
2 - قوله تعالى :
أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ
« 1 » .
3 - قوله ( ص ) : « من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية » . استدلّ به التفتازاني في شرح عقائد عمر النسفي .
4 - إجماع المسلمين في الصدر الأوّل على امتناع خلو الوقت عن الإمام حتّى قال أبو بكر : ألا إنّ محمد ( ص ) قد مات ، ولا بدّ لهذا الدين ممّن يقوم به ، فبادر الكلّ إلى قبوله ! وتركوا أهمّ الأشياء وهو دفن رسول الله ( ص ) « 2 » واجتمعوا في سقيفة بني ساعدة . فكان نصب الإمام واجباً
هامش
( 1 ) - النساء 4 / 59 .
( 2 ) - ليستمع القارئ إن أهل الحقّ قالوا : إنّ الخليفة الثاني شكّ في موت النبيّ حين قبض ، فقال : والله ما مات محمّد . . .
وقال الشهرستاني في أوائل ملله ونحله : قال عمر بن الخطاب : من قال إنّ محمّداً مات قتلته بسيفي ! ! ! ولما تلا عليه قوله تعالى :إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَالزمر 39 / 30 قال : كأنّي لم أسمع هذه الآية ! ومن لم يدر مثل هذه الأمور الواضحة فلا يليق بالإمامة قطعاً ؛ لأنّ الإمام لا أقلّ من كونه عالماً بالأحكام الشرعيّة وأصول الشريعة . أجاب أولياءه بأنّ تلك الحالة - أي وقت موت النبيّ ( ص ) - حالة تشويش البال واضطراب الأحوال ، والذهول عن الجليّات ، والغفلة عن الواضحات ، حتّى أنّه قيل إنّ بعض الصحابة طرأ عليه الجنون ! وبعضهم صار أعمى ! وبعضهم صار أخرس ، انتهى .
ثمّ لمّا يريدون بيان وجوب نصب الإمام يقولون إنّ الصحابة تركوا دفن رسول لله وغسله ! واشتغلوا بأمر الرئاسة والإمارة ؛ لأنّه أهمّ فما أدري - وإن كنت دارياً - أيّ الكلامين صادق ؟ ! ولا أدري أنّ هؤلاء العميان والمجانين والخراسان هل بقوا على حالهم أو صحوا ببركة نصب الخليفة الأوّل ، ولعلّهم التحقوا بالعنقاء في جبل قاف !
گوش باز وچشم باز واين عمى حيرتم از چشم بندى خدا