أقول : وهذا بيان عجيب ، فإنّ الواجب ليس من صنع صانع حتى يتصور العبثية في الصنع المذكور .
التاسع : أنّ الكثرة إن كانت نوعية فبالماهيات ، وإن كانت عددية : فإن كانت في الجواهر فبالمادة ولواحقها ، وإن كانت في الأعراض فبالموضوعات ، والواجب حيث لا ماهية له ولا مادة ، ولا موضوع له فهو واحد لا يمكن تكثّره .
أقول : المعقول العرضية لا مادة ولا موضوع لها ولا ماهية لها عند المستدل ، تبعاً للسهروردي الإشراقي ، مع أنّها متعددة .
وبالجملة : انحصار أسباب التكثّر في الثلاثة المذكورة غير بيّن ولا مبيّن ، فافهم .
العاشر : الوجود الواجبي : إمّا أن يقتضي الكثرة في نفسه ، وإمّا الوحدة كذلك ، أو لا يقتضي شيئاً منهما ، فعلى الأول يلزم انتفاء الواجب رأساً ، فإنّ الكثرة لا تحصل إلا بالوحدة ؛ إذ الوحدة مبدأ الكثرة ، وهذا الواحد حيث إنّه على طباع الكثير فهو أيضاً كثير ، وهكذا كل ما نفرضه واحداً فهو كثير ، فلا يتحقق الواحد ، فلا يتحقق الكثير ، وهذا خلف . وعلى الثاني ثبت المطلوب . وعلى الثالث كان كل من الوحدة والكثرة عرضياً له فيكون معلّلًا في وحدته بالغير ، ويلزمه جواز ارتفاع الواجب بالذات ، وهو كما ترى .
ويمكن أن يورد عليه : بأنّ الكثرة إنّما تنافي الوحدة إذا أخذت بشرط لا ، وأمّا إذا أخذت بشرط الشيء فهي عين الكثرة ، وعليه فإذا اختير الشق الأول لا دافع له . لكنّ الحقّ أنّ الواحد حيث إنّه فرد من تلك الحقيقة المقتضية للكثرة ، ولا سيما أنّ الواجب تشخّصه بنفس حقيقته يتكثر وهكذا فلا يوجد فرد أصلًا .
نعم ، تتوقف صحته على أصالة الوجود ووحدته ، وإلا لاتّجه عليه إشكال ابن كمّونة الآتي .
الحادي عشر : برهان الإحاطة ، وهو : أنّ الواجب محيط بكل شيء ، خارجياً كان أو ذهنياً ، فلو فرض في الوجود واجبان للزم وجود المحيطين المطلقين ، وهو غير معقول .
أقول : إن أريد بالإحاطة : القدرة الكاملة فنمنع الملازمة ؛ إذ الواجب قادر على كل ممكن ، لا على كل موجود ، كما مرّ بحثه في الجزء الأول . وإن أريد بها العلم فبطلان التالي غير واضح ، إذ لا مانع من تعلق علم الواجب بواجب آخر كتعلق علمه بنفسه ، وهذا واضح . وإن أريد بها قاعدة « أنّ بسيط الحقيقة كل الأشياء » فقد مرّ إبطالها ، مع أنّ المستدل من المصرّين على أصالة الماهية وما وراء ذلك لا نعقل للإحاطة معنى صحيحاً .
الثاني عشر : إنّ تعدد الواجب فكل شيء إن أوجداه مستقلين لزم توارد المعلتين المستقلتين على معلول واحد . وإن أوجده أحدهما دون الآخر فهو ترجيح بلا مرجح ؛ لتساوي الجميع إلى
صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية — صفحة 85
مساهمون: الشيخ محمد آصف المحسني
ص٨٥