الإنسان هي في اضطراب دائم من جري الريب الواقع من نسبة الإنسان إلى الخليقة وإلى اللّه « 1 » . . . . فهذان السببان - أي القصور الفكري والشهوة - هما أحدثا هذه البلية الفاجعة .
وما قيل من أن المستفاد من أكثر التواريخ أن تأسيس هذه النظرية الرديئة قبل ميلاد المسيح عليه السّلام بستة قرون أو سبعة قرون ، فلعلّه يقصد به انتشارها واشتهارها ، كما أن شدّة ظهورها وكثرة رواجها إنما كانت في القرن الثامن عشر والتاسع عشر بين الغربيين ، فسرت منهم إلى الشرقيين ، ثم ضعفت في القرن العشرين لكشف بطلان ما اعتمدوا عليه في هذه الدعوى .
وأمّا أصل هذه المسلك فله عهد بعيد كما ربما يؤيده قوله تعالى :
يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزؤن
« 2 » ، وإن لم يكن بدليل عليه كما لا يخفى .
ثم إن أساس عقائدهم يتخلّص إلى أصول أربعة . كما قيل :
1 - لا موجود في العالم غير المادة وآثارها .
2 - العالم مركّب من العلل والمعاليل المادية ، وكلّ شيء يعلّل بعلل مادية .
3 - الموجودات بأسرها تؤثّر بعضها في بعضها ، فكلّ منها علّة شيء ومعلول لشيء آخر ، وجميع الحواثد في تغير وتحوّل ، بيد أن القدر الجامع بينها - يعني المادة - أمر أزلي .
4 - إن الكائنات - بشموسها وكواكبها وأقمارها وأراضيها وسمواتها وجميع جزئياتها - معلولة التصادف والاتّفاق ، لا بمعنى أن لا علّة لها ، بل بمعنى اتّحاد العلّة الفاعلية والعلة المادية فيها ، فلا موجد لها إلّا المادة ، ولا صانع مختار لها أبدا ، فليس لها العلّة الغائية أيضا .
والحاصل : أنهم لا ينكرون مبدأ الكائنات بل ينكرون شعوره وقدرته وإرادته .
تفتيش وتفنيد
أمّا الأصل الأول ففيه بحثان ، الأول : في بيان المادة ، والثاني : في بيان انحصار الموجودات بها .
اما البحث الأول ، فالمعروف عن ديمقراط « 3 » أن المادة هي الجواهر الفردة ، وهي الأجزاء التي لا تتجزّأ ( الأتم ) وليس لها إلا أشكال هندسية ، فالعالم عنده مركب من هذه الذرّات التي لها بنظر بعضها إلى بعض حركة دائرة وحركة اصطدام مستقيمة « 4 » ، ويرى أنّ هذه الذرّات يتخلّل
هامش
( 1 ) الرحلة المدرسية للعلّامة المجاهد الشيخ جواد البلاغي / 292 .
( 2 ) يس 36 / 30 .
( 3 ) وقيل : إن أول من تفوّه به لوقيوس أستاذ ديمقراط .
( 4 ) الرحلة المدرسية / 298 .