المعروف عن الأشاعرة هو الجواز بل الوقوع « 1 » ، وعن العدلية - الامامية والمعتزلة - والحكماء امتناعة « 2 » . والظاهر تمركز النزاع في المختار فقط ، فإن الموجب إذا رجّح أحد المتساويين على الآخر - كما إذا احرق النار أحد المتساويين فقط - فقد وقع الترجح بلا مرجّح ، لكنّه مجرّد فرض باطل .
ثم إن الأشاعرة ليس لهم دليل على قولهم سوى ذكر أمثلة ودعوى الضرورة على وقوع الترجيح بلا مرجح فيها ، مع أن بعضهم ناقش في الأمثلة المذكورة « 3 » .
قال المحقق الآشتياني : واستدلّوا عليه - أي الأشاعرة على الجواز - بالوجدان ؛ حيث إنّ العطشان والجائع والهارب من السبع يختار أحد القدحين والرغيفين والطريقين مع فرض المساواة من جميع الجهات التي لها دخل في الترجيح ، فيعلم من ذلك أن اختيار أحد طرفي الممكن لا يتوقّف على مرجّح خارجي . والعدلية من الإمامية والمعتزلة إلى الثاني ، لما عرفت من قضاء ضرورة العقل بعدم تعلّق الاختيار بأحد طرفي الممكن من دون داع وسبب ، فلو وجد لوجد بلا سبب ، وهذا معنى رجوع الترجيح بلا مرجّح إلى الترجح بلا مرجح .
وأما ما زعمه الأشاعرة ففاسد جدا .
أما أولا : فلمنع تحقّق التساوي من جميع الجهات فيما مثّلوا به وأمثاله ، ومجرد الفرض لا يوجب تحقّق المفروض ، والمدار عليه لا على فرضه .
وأما ثانيا : فلأنّا نختار بعد التسليم عدم اختيار أحدهما ، ومجرّد دعواه لا يفيد في شيء . . .
الخ .
أقول : هذان الجوابان اللذان نقلا عن المعتزلة ، بل ادّعوا الضرورة على الجواب الثاني ، ممنوعان جدا ، بل الضرورة على خلافه وأن المضطرّ يختار أحدهما بلا تردد . والانصاف أنّهما لا يستحقان الجواب .
ويلحق بهما في الضعف ما أجاب به صاحب الأسفار « 4 » فإنه مبني على الجبر وأن أفعال المخلوقين أفعال اللّه تعالى . فلاحظ .
قال بعض أهل التدقيق من جامعي المعقول والمنقول « 5 » : تحقيق المقام أنّ الترجيح موضوعه الفعل الإرادي ، وثبوت الإرادة فيه مفروغ عنه ، وإلّا لكان ترجحا بلا مرجح ، وهو
هامش
( 1 ) شرح المواقف 2 / 218 .
( 2 ) حاشية المحقق الآشتياني على رسائل الشيخ الأنصاري / 246 .
( 3 ) شرح المواقف 2 / 218 .
( 4 ) الأسفار 1 / 209 .
( 5 ) نهاية الدراية في شرح كفاية الأصول 3 / 170 .