موقوف عليه ؛ ولذا يجتنب من الضرر كلّ حساس مميز . ( فتأمّل )
هذه إحدى الصناعات الخمس .
وثانيها : الجدليات : وهي تتركب من المشهورات والمسلّمات . أما المشهورات فهي قضايا تتّفق عليها الآراء ويعترف بها عموم الناس إما لمصلحة عامة كقولنا : العدل حسن والظلم قبيح ، أو لرقّة كقولنا : معاونة الفقراء محمودة أو لحمية كقولنا كشف العورة مذموم أو لعادة كقولنا التالبس حسن ، أو لأدب كقولنا : شكر المنعم لازم . وتسمى بالشرائع غير المكتوبة في مقابل الشرائع المكتوبة الإلهية التي لا يعترف بها العموم .
ومن المشهورات ما يعترف به الأكثر أو الطائفة الخاصّة كقبح ذبح البقر عند الهنود ، فاعتراف العموم غير معتبر فيها .
والفرق بينها وبين الأوليات : اعتبار مطابقة الواقع في الثانية دون الأولى ؛ ولذا قد تجتمعان في مورد ، وربّما تشتبه الحال فلا يعلم أن القضية الفلانية من الأوليات أو من المشهورات ، والتمييز بأحد الوجوه الثلاثة :
الأول : تجريد النفس من جميع لخاطرات بحيث يحسب أنه مخلوق الساعة لم يشاهد أحدا ولم يمارس عملا ، فإذن إن حكم على القضية بحكم فهي برهانية ، وإن توقف فهي مشهورية .
الثاني : احتمال الكذب في المشهورات ؛ إذ ربّ شهرة لا أصل لها ، بخلاف الأوليات .
الثالث : اختلاف المشهورات حسب اختلاف العادات والآداب ، دون الأوليات .
أقول : والكل غير مطّرد كما لا يخفى على اللبيب .
وأما المسلّمات فهي قضايا مسلّمة عند الخصم فيستدلّ بها لإلزامه أو إرشاده ، سواء كانت باطلة عند المستدل أو صحيحة . وللمسلّمات معنى آخر « 1 » وهو : المسائل المأخوذة من علم للاستدلال والتعليم بها في علم آخر ، وبهذا المعنى تنقسم إلى المصادرات والعلوم المتعارفة والأصول الموضوعة . والمستدل بالمشهورات والمسلّمات يسمى مجادلا غرضه إقنع القاصرين وإلزام المعاندين . وقد عرفت أن نسبة المسائل الكلامية إلى الجدل - كما صدرت عن جماعة من الحكماء - نسبة كاذبة لا أصل لها .
ثالثها : الخطابيات : وهي تلتئم من المقبولات والمظنونات . أما الأولى فهي ما يؤخذ من العلماء والأولياء . وأما الثانية فهي ما يحكم به العقل حكما راجحا غير جازم كقولنا : هذا الجدار ينهدم لانتشار ترابه ، وزيد فقير لاندراس لباسه ، فهي أعم من المقبولات صدقا . والمستدلّ بها
هامش
( 1 ) عبارة « وللمسلّمات معنى آخر » اصطلاح منّا ( المؤلف ) .