علمه بأنه وجد عين علمه بأنه سيوجد .
أقول : ويظهر من المحدث المجلسي قدّس سرّه أيضا اختيار هذا المذهب « 1 » ، وبرهن عليه بأن العلم بالقضية ، إنما يتغيّر بتغيّرها ، وهو إما بتغيّر موضوعها أو محمولها ، والمفروض عدمه . نعم يمكن أن يشار إليه إشارة خاصّة بالموجود حين وجوده ولا يمكن في غيره ، وتفاوت الإشارة إلى الموضوع لا يؤثر في تفاوت العلم بالقضية ، بل هو راجع إلى تغيّر المعلوم .
أقول : والحق أن العلم بأنه سيوجد غير العلم بأنه وجد ، كما برهن عليه أبو الحسين البصري الاعتزالي « 2 » بل يمكن أن يقال : إن هذا الجواب هو عين الالتزام بالإشكال ، فإن الحكماء ما نفوا علمه بالجزئيات مطلقا ، بل على وجه جزئي ، وأمّا على النحو الكلي فهم قائلون به من أجل أن العلم بالعلّة يستلزم العلم بالمعلول ، كما اتّضح من كلام ابن سينا المتقدّم . وهذا الجواب لا يثبت أكثر من العلم الكلي ، فتدبّر .
الثالث : إن العلم صفة حقيقية ذات إضافة ، وتغيّر المعلوم لا يؤثّر في العلم بل في اضافته ، فالمتغيّر هو إضافة العلم المتعلّقة بالمعلوم لا نفس العلم ، كما ذكره المحقق الطوسي قدّس سرّه وغيره ، وشبهه العلامة « 3 » بالقدرة حيث إنّ تغيّر المقدور وفقدانه لا يوجب تغيّر القدرة ، بل هي على حالها وإنّما المتغيّر به هو نسبة القدرة إلى المقدور المذكور .
أقول : تغير العلم تابع لتغير المعلوم لا محالة ، فإنّ العلم إمّا حصولي ، وإمّا حضوري . أما الثاني فالعلم والمعلوم شيء واحد ولا يعقل الانفكاك بينهما ، وأما الأول فإن كانت الصورة بعد تغيّر مطابقها باقية فهي كذب والا فقد ثبت المطلوب ، فحديث كونه ذا النسبة لا نفس النسبة لا يفيد أصلا .
ثم إنّ للمحقق الطوسي قدّس سرّه كلاما حول المسألة لا بأس بذكره . قال في محكي شرح رسالة العلم « 4 » : وأما علم الباري بالجزئيات ففيه خلاف بين المتكلّمين والفلاسفة ؛ وذلك أن المتكلّمين قالوا : إن الباري تعالى يعلم الحادث اليومي على الوجه الذي يعلم أحدنا أنه موجود في هذا الوقت ولم يكن موجودا قبله ، ويمكن ان يوجد بعده أو لا يمكن ، ثم إذا انتبهوا بوجوب التغير للعلم بالمتغيّرات حسب تغيره ، التزم بعضهم جواز التغير في صفات اللّه تعالى أو في بعضها ، فقال القائلون بالإضافات فقط : إن تغيّر الإضافات في اللّه جائز عند جميع العقلاء كالخالقية
هامش
( 1 ) البحار 4 / 72 .
( 2 ) لاحظ شرح المواقف 3 / 63 ، وغيره .
( 3 ) شرح التجريد / 176 .
( 4 ) الشوارق 2 / 256 .