الفصل الثاني في علمه تعالى واستيفاء المرام فيه من بيان جهات :
الجهة الأولى : في إثبات أصل علمه تعالى
ونستخدم له وجوها من الدلائل :
الأول : إن العلم له ممكن وما أمكن في حقه واجب له كما تقدّم .
الثاني : إن العلم الإمكاني موجود ولا بدّ من استناده إلى العلم الواجب ؛ بداهة عدم حصول العلم من غير العلم ، فإذا كان ما بالغير هو العلم فلا بدّ وأن يكون ما به الغير أيضا هو العلم ، ومعلوم أن العلم الواجب ليس إلّا للذات الواجبة .
الثالث : إنّ الممكنات مستندة إليه حدوثا وبقاء كما مرّ ، ومن الضروري أنّ المفيض المختار لا يكون إلّا عالما بفعله وفيضه
ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير
« 1 » .
الرابع : إنّا ندرك أن جملة من الأشياء الموجودة على كمال الإتقان والإحكام ، ففاعلها عالم بداهة عدم صدور هذه المحكمات العجيبة عن الجاهل . وهذا الوجه قوي جدا ، فإن الصغرى حسية والكبرى ضرورية ، فإنّا نذعن - بأوّل التفات - بأن الجاهل البدوي لا يتمكّن من التدريس في الجوامع العلمية ، وأن البناء العالي لا يتكوّن من التراب المثارة بالأهوية .
فالواجب الصانع لما فعل أفعالا محكمة متقنة ، نذعن إذعانا اضطراريا بأنه عالم .
وهم ودفع
نوقش في البرهان الثالث صدور الفعل القليل عن النائم والغافل ، مع أنهما قادرين عند المعتزلة وكثير من الأشاعرة ؛ إذ لو جاز ذلك لجاز صدور الكثير أيضا ، فان حكم الشيء حكم مثله ، ومن الظاهر أنهما غير عالمين ، فالإيجاد لا يدلّ على العلم .
أقول : ويتوجه عليه :
أولا : إنّ معنى المختار من له الفعل والترك ويرجح أحدهما على الآخر ، ومن الظاهر أنّ
هامش
( 1 ) الملك 67 / 14 .