ينتهي إلى قديم أو ينتهي ، فإن لم ينته فهو الثالث أي التسلسل ؛ وذلك لأنّه إذا استند إلى مؤثّر غير قديم ولا منته اليه فلا بدّ هناك من مؤثّرات حادثة غير متناهية مع كونها مترتّبة مجتمعة ، وهو تسلسل محال اتّفاقا ؛ وان انتهى فلا بدّ قديم يوجب حادثا بلا واسطة من الحوادث دفعا للتسلسل فيها ، سواء كانت مجتمعة أو متعاقبة ، فيلزم الرابع .
الرابع : إنّه تعالى لو لم يكن مختارا لاستحال تغيّر الموجودات وتبدّل الكائنات بالمرة ، فإنّه يتبع تغيّر العلّة وتبدّلها ، وهو في حقّ الواجب مستحيل ، فثبت أنّه مختار .
الخامس : إنّه لو كان موجبا لوجب تحقّق جميع الموجودات الممكنة في درجة واحدة بلا تقدم وتأخر بينها ، فإنّها متساوية النسبة إلى العلّة ، اعني بها ذاته المقدسة ، والتخصيص الواقع يكون ترجيحا بلا مرجّح بل ترجّحا من دون مرجح .
السادس : الآيات القرآنية الدالة على ذلك ، مثل قوله تعالى :
إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد
« 1 » ، وقوله :
إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون
« 2 » ، وقوله :
إن الله يفعل ما يريد
« 3 » ، وقوله :
يمحوا الله ما يشاء ويثبت
« 4 » وأمثالها من الآيات الصريحة في المدعى .
السابع : الأخبار المتواترة عن النبي الأعظم وآله الكرام صلى اللّه عليه وعليهم أجمعين ، مثل ما ورد في أنه يمحو ويثبت ويقدّم ويؤخّر وله البداء ، ونحو ذلك .
الثامن : الضرورة الدينية على اختياره ، بل تقدّم عن العلامة الحلي قدّس سرّه أنّه الفارق بين الاسلام والفلسفة ، بل ادّعى الجرجاني والقوشجي والأصبهاني اتّفاق المليين قاطبة على ذلك كما مرّ .
هذا ما وقفنا عليه في كتبهم من الأدلّة الدالّة على اختياره تعالى .
أقول : أما الوجه الأول فهو موقوف على ثبوت أمرين ، الأول : حدوث العالم كما هو ظاهر ، الثاني : إمكان أزلية الممكن ؛ إذ لو استحال وجود الممكن في الأزل وتحتّم مسبوقية الممكن بالعدم لما كشف حدوث العالم عن الاختيار .
وبالجملة : حدوث العالم بمجرّده وإن كان يبطل قول الفلاسفة بقدمه ، إلّا أنّه لا ينفع المتكلّمين ما لم يحرز إمكان أزليته حتى يكون عدم تحقّقه مستندا إلى إرادة الفاعل دون المانع
هامش
( 1 ) إبراهيم 14 / 19 .
( 2 ) النحل 16 / 40 .
( 3 ) الحج 22 / 14 .
( 4 ) الرعد 13 / 39 .