يقول ابن أبي الحديد في شرح هذه الفقرات .
أخَذَ سُبْحَانَهُ على الخَلَائِقِ مِيثَاقَهُ وَارْتَهَنَ عَلَيْهِ أنفُسَهُمْ ؛
لمّا كان سبحانه قد قرّر في عقول المكلّفين أدلّة التوحيد والعدل ، ومن جملة مسائل العدل النبوّة ، ويثبت نبوّة محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم عقلًا ، كان سبحانه بذلك كالآخذ ميثاق المكلّفين بتصديق دعوته وقبول القرآن الذي جاء ، وجعل به أنفسهم رهناً على الوفاء بذلك ، فمن خالف خسر وهلك هلاك الأبد .
هذا تفسير المحقّقين ؛ ومن الناس من يقول . المراد بذلك قصّة الذرّيّة قبل خلق آدم عليه السلام كما ورد في الأخبار ، وكما فسّر قومٌ عليه الآية . . . » .
وأمّا قوله .
لَمْ يَتْرُكْ شَيْئاً رَضِيَهُ أوْ كَرِهَهُ إلَّا وجَعَلَ لَهُ عَلَماً بَادِياً وَآيَةً مُحْكَمَةً
فقد قال . أي أمّا منصوص عليه صريحاً ، أو يمكن أن يُستنبَط حُكمه من القرآن إمّا بذكره أو بتركه فيبقى على البراءة الأصليّة وحكم العقل .
قوله .
فَرِضَاهُ فِيمَا بَقِيَ وَاحِدٌ ، وَسَخَطُهُ فِيمَا بَقِيَ وَاحِدٌ
؛ معناه . أنّ ما لم ينصّ عليه صريحاً هو في محلّ النظر ، ليس يجوز للعلماء أن يجتهدوا فيه فيحلّه بعضُهم ويحرّمه بعضُهم ، بل رضا الله سبحانه أمرٌ واحد وكذلك سخطه ، فليس يجوز أن يكون شيء من الأشياء يفتي فيه قومٌ بالحلّ وقومٌ بالحرمة . وهذا قول منه عليه السلام بتحريم الاجتهاد ، وقد سبق منه عليه السلام مثل هذا الكلام مراراً » . « 1 »
هامش
( 1 ) - « شرح نهج البلاغة » لابن أبي الحديد ، ج 10 ، ص 117 و 118 ، طبعة دار إحياء الكتب العربيّة .