وكان هذا النهج يزداد انتظاماً بعد هجرة النبيّ الأكرم إلى المدينة وتأسيسه مجتمعاً إسلاميّاً مستقلّا . فقد كُلّف عدد كبير من أصحاب النبيّ بأمرٍ منه بالانصراف إلى قراءة القرآن وتعليمه ، وإلى تعلّم وتعليم الأحكام الإسلاميّة التي كانت تتكامل في نزولها كلّ يوم ، حتى بلغ الأمر حدّاً أعفي معه ذلك العدد من الاشتراك في الحرب والجهاد . « 1 »
جمع القرآن الكريم في مصحف واحد قبل ارتحال الرسول الأكرم
ولمّا كان أكثر أصحاب النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم ، وعلى الأخصّ أولئك الذين هاجروا من مكّة إلى المدينة ، امّيّين لا يعرفون القراءة والكتابة ، فقد أمر النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم بالاستفادة من الأسرى لتعلّم الكتابة ، وكانت حينذاك بسيطة وسهلة ، فوُجد بذلك جماعة تعرف القراءة والكتابة .
وقد دُعي الذين اشتغلوا بقراءة القرآن وحفظ سوره وآياته بالقُرّاء ؛ وقد استُشهد من القرّاء في وقعة بِئر مَعونة أربعون رجلًا أو سبعون رجلًا . « 2 »
وكان ما نزل من القرآن الكريم وما ينزل منه تدريجيّاً يُكتب على الألواح وسعف النخيل وعظام أكتاف الإبل ونظائر ذلك .
على أنّ ممّا لا يشوبه الشكّ ولا يمكن إنكاره ، هو أنّ أكثر السور القرآنيّة كانت معروفة ومتداولة بين المسلمين قبل ارتحال النبيّ الأكرم . وقد تردّدت أسماء هذه السور في عشرات ومئات الأحاديث عن طريق أهل السنّة والشيعة في وصف دعوة النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم أو أصحاب النبيّ قبل ارتحال النبيّ ، وفي وصف الصلوات التي صلّاها
هامش
( 1 ) - الآية 122 ، من السورة 9 . التوبة . وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَآفَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا في الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إ ذَا رَجَعُوا إلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ .
( 2 ) - « الإتقان » ، ج ، ص 72 ( التعليقة ) .