الْوَقْرَةِ ، وَ تُبْصِرُ بِهِ بَعْدَ الْعُشْوَةِ ، « 1 » وَ تَنْقَادُ بِهِ بَعْدَ الْمُعَانَدَةِ .
وَ مَا بَرِحَ لِلَّهِ - عَزَّتْ ءَالَآؤُهُ - فِى الْبُرْهَةِ بَعْدَ الْبُرْهَةِ وَ فِى أَزْمَانِ الْفَتَرَاتِ ، عِبَادٌ نَاجَاهُمْ فِى فِكَرِهِمْ وَ كَلَّمَهُمْ فِى ذَاتِ عُقُولِهِمْ ، فَاسْتَصْبَحُوا بِنُورِ يَقْظَةٍ فِى الْأسْمَاعِ وَ الْأَبْصَارِ وَ الْأَفْئِدَةِ .
يُذَكِّرُونَ بِأَيَّامِ اللهِ ، وَ يُخَوِّفُونَ مَقَامَهُ بِمَنْزِلَةِ الْأَدِلَّةِ فِى الْفَلَوَاتِ .
مَنْ أَخَذَ الْقَصْدَ حَمِدُوا إلَيْهِ طَرِيقَهُ وَ بَشَّرُوهُ بِالنَّجَاةِ ، وَ مَنْ أَخَذَ يَمِينًا وَ شِمَالًا ذَمُّوا إلَيْهِ الطَّرِيقَ وَ حَذَّرُوهُ مِنَ الْهَلَكَةِ ، وَ كَانُوا كَذَلِكَ مَصَابِيحَ تِلْكَ الظُّلُمَاتِ وَ أَدِلَّةَ تِلْكَ الشُّبُهَاتِ .
وَ إنَّ لِلذِّكْرِ لَأَهْلًا أَخَذُوهُ مِنَ الدُّنْيَا بَدَلًا ، فَلَمْ تَشْغَلْهُمْ تِجَارَةٌ وَ لَا بَيْعٌ عَنْهُ ؛ يَقْطَعُونَ بِهِ أَيَّامَ الْحَيَاةِ ، وَ يَهْتِفُونَ بِالزَّوَاجِرِ عَنْ مَحَارِمِ اللهِ فِى أَسْمَاعِ الْغَافِلِينَ .
وَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ وَ يَأْتَمِرُونَ بِهِ ، وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ يَتَنَاهَوْنَ عَنْهُ .
فَكَأَنَّمَا قَطَعُوا الدُّنْيَا إلَى الآخِرَةِ وَ هُمْ فِيهَا ، فَشَاهَدُوا مَا وَرَاءَ ذَلِكَ .
فَكَأَنَّمَا اطَّلَعُوا غُيُوبَ أَهْلِ الْبَرْزَخِ فِى طُولِ الإقَامَةِ فِيهِ ، وَ حَقَّقَتِ الْقِيَامَةُ عَلَيْهِمْ عِدَاتِهَا ، فَكَشَفُوا غِطَآءَ ذَلِكَ لِأَهْلِ الدُّنْيَا ، حَتَّى كَأَنَّهُمْ يَرَوْنَ مَا لَا يَرَى النَّاسُ وَ يَسْمَعُونَ مَا لَا يَسْمَعُونَ .
فَلَوْ مَثَّلْتَهُمْ لِعَقْلِكَ فِى مَقَاوِمِهِمُ الْمَحْمُودَةِ وَ مَجَالِسِهِمُ
هامش
( 1 ) ضبَطها ابنُ أبى الحديد بالفتح .