للآخرين ، وهي أعظم من قتل الشخص
( وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ )
( البقرة : 191 ) ، وقد ورد في تفسير قوله تعالى
( وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ )
( البقرة : 61 ) أي يكذبونهم ويستهزئون بهم ويحاولون إماتة دعوتهم وتنفير الناس عنهم .
10 - التواضع : ولم يكن تواضعه تكلفاً وإرغاماً للنفس على غير طبيعتها التي تقتضي الاستعلاء والاستكبار ، وإن كان هذا الشكل من التواضع محموداً ومطلوباً ممن يريد الكمال وتهذيب النفس ، إلا أن تواضعه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كان أحمد ، لأنه كان سجية وطبيعة وذاتياً ناشئاً من معرفته الكاملة بحقيقة العبودية لله تعالى التي لا يبقى أي معنى للالتفات إلى الذات .
فهذه نقاط عشر على صعيد بناء الذات ، وأما في الاتجاه الآخر وهو إصلاح المجتمع وتقويمه وبناؤه ، أو ما نسمّيه بالوعي الاجتماعي ، فنستلهم من سيرته ( صلى الله عليه وآله وسلم ) الدروس التالية :
وصفه أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بأنه
( طبيب دوّار بطبّه )
، والطبيب على شكلين : طبيب مقيم يقصده المرضى ، وآخر يجول بطبه ويقصد المرضى في محالّهم ، وهكذا كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) الطبيب المعنوي الذي يعالج بتعاليمه وآدابه وأحكامه أمراض الروح والنفس والقلب ، فإنه لم يقبع في بيته ينتظر أن يأتيه السائل ، بل كان يقصد الناس في بيوتهم وأماكن تجمعهم ، فذهب إلى الطائف لدعوة ثقيف ، وما أن سمع أن وفد من المدينة قد وصل مكة حتى قصدهم ، فكانت بيعة العقبة الأولى والثانية قبل الهجرة ، وكان يجالس الأعراب في معاطن الإبل غير مستنكف من ذلك ، وربما كان الإعرابي يعبث بلحيته الكريمة وهو يحدثه ، وها هي الآية الشريفة تصرح بذلك :
( فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ )
( التوبة : 122 ) .