الطفل بالأكل ، وكلما فشلت وسيلة أو لم يرغب بالطعام أعدت غيره وبوسيلة أخرى حتى يأكل ويسترد عافيته .
إن المجتمع كالطفل المريض ؛ أما أنه كالطفل فلأنه قاصر ويحتاج إلى من يرعاه ويربيه ويحتضنه ، ومريض لأنه مليء بالأمراض الاجتماعية ويعمّه الفساد والانحراف وهو لا يعرف من أين وكيف يأخذ طعام المعرفة والإيمان ليعالج أمراضه ، والحوزة هي الأم الحنونة الرحيمة الرؤوفة الشفيقة الحريصة ، فأي الأُمَّين في المثالين أجمع لهذه الصفات الكريمة التي هي مشتقة من الأسماء الحسنى ، وقد أمرنا بالتحلي بها كما في الحديث الشريف : ( تخلقوا بأخلاق الله تبارك وتعالى ) فأي الأُمَّين حنونة رحيمة رؤوفة شفيقة حريصة ؟ الثانية طبعاً .
وأمامي صنفان من طلاب الحوزة الشريفة :
1 - صنف جاء إلى النجف الأشرف لطلب العلم واستقر فيها ونسي عشيرته وأهله الذين ينتظرونه ليفيض عليهم مما رزقه الله تعالى ، فصار يطلب العلم للعلم لا للعمل .
2 - صنف بقي شعوره بالمسؤولية بين جوانحه ، وبقي الحس الاجتماعي في أعماقه ، كلما وجد فسحة في الدرس أو عطلة عن التحصيل عاد إلى أهله ووطنه يرشدهم ويدعوهم إلى الله تبارك وتعالى .
لاشك أن الثاني هو مصداق الآية الشريفة ، فإنّه قد جسد العلم بالعمل ، فيكون محلًا لإفاضات جديدة لأن ( العلم يزكو بالإنفاق ) « 1 » ، و ( بذله لمن لا يعلمه صدقة ) « 2 » ، والصدقة بسبعمائة ضعف وأزيد ، بل لا قيمة للعلم بلا عمل سواء على صعيد النفس أو المجتمع ، وفي الحديث : ( العلم مقرون بالعمل ، والعلم
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : 75 / 76 .
( 2 ) المصدر السابق : 1 / 166 .