ومن الأخطاء التي تمخض عنها هذا التقديس للذات : التأليه ؛ وهذا تيه عظيم أدىّ إلى الضياع والانحراف لأنهّم ضيّعوا الرسالة التي جاءهم بها الرسول وذابوا في الشخص ، لذلك كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) حريصاً على أن لا يقعوا في هذا الخطأ ، فعندما دخل عليه رجل فأخذته هيبته ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وارتعدت فرائصه قال له ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : ( هوّن عليك ؛ إنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد بمكة ) ، وقال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : ( لا يُعرف الحق بالرجال ؛ اعرف الحق تعرف أهله ) .
وقد أسّس القرآن الكريم هذه الحقيقة بقوله تعالى :
( وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ )
( الزمر : 65 ) وقال تعالى :
( وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ )
( الحاقة : 44 - 46 ) لذا لم يُسَمِّ أتباع النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بالمحمديين ، وإنمّا سماهم المسلمين ، قال تعالى :
( مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ )
( الحج : 78 ) . كما لم يذكر أتباع السيد المسيح باسم المسيحيين ، بل النصارى في موارد عديدة من القرآن الكريم .
بداية التأريخ الإسلامي :
وكاد صحابة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أن يقعوا في هذا الخطأ حينما اجتمعوا لوضع تأريخ لهم ، فاقترح بعضهم أن يبدأوا من سنة ولادة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، إلا أنّ أمير المؤمنين ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أقنعهم بأن يبدأوا التأريخ من هجرة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، من أجل أن لا يرتبطوا بشخص النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بل بالمبدأ الحق ؛ لأن الهجرة بداية حقيقية لتأريخ الإسلام وانتصاره حيث حصلَ فيه المباينة الكاملة بين معسكر الحقّ ومعسكر الباطل الذي هو شرط مهم لتحقيق النصر ،