وفي رواية أنه قد سُئل الإمام جعفر الصادق عليه السلام عن حالة لحقته في الصلاة حتى خرَّ مغشيّاً عليه ، فلما سري عنه قيل له في ذلك ، فقال عليه السلام : ( ما زلت أُردّد الآية على قلبي وعلى سمعي ، حتى سمعتها من المتكلِّم بها ، فلم يثبت جسمي لمعاينة قدرته ) « 1 » ، فما كان ليسمعها من قائلها لولا السُّلَّمية القرآنية في مجالها المعنوي ، الذي تنتهي عنده جميع الآفاق المعرفية الأُخرى ، فتكون الآفاق السابقة عليها محطّات تمهيدية ارتقائية لغير أهل العصمة عليهم السلام ، يطويها مَن أكمل سيره الأوّل وبلغ من سفره الثاني مبلغاً يُؤهّله لاستشراف إشراقات الحقيقة بما يسمح له مقامه وكماله « 2 » ، وذلك كلّه إن أدركه الصحو بعد المحو ، وإلا غاب في ظلّ الحقيقة : لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ ( الأنفال 44 ) ، وأما أهل العصمة من أهل البيت عليه السلام ، فقد اندكَّت ذواتهم المقدَّسة بالحقيقة ، وصاروا مظهراً لها « 3 » ، ولا ينبغي الإغفال عن ذلك ، وأما بالنسبة للمؤمنين الذين تملَّكهم الإيمان ، وساروا في أُفق المعنى ، فقد ورد فيه في خبر عن ابن مسعود قال : ( لما نزلت هذه الآية : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ . . . ( التحريم : 6 ) ، تلاها رسول الله صلى الله عليه وآله على أصحابه فخرَّ فتى مغشياً عليه ، فوضع النبي صلى الله عليه وآله يده على فؤاده فوجده يكاد يخرج من مكانه ، فقال : يا فتى قل لا إله
هامش
( 1 ) التفسير الصافي ، للفيض الكاشاني : ج 1 ، ص 73 .
( 2 ) في السير المعنوي تُوجد أسفار أربعة ، وهي : الأول : سفر من الخلق إلى الحقّ ، والثاني : سفر من الحقّ إلى الحقّ بالحقّ ، والثالث : سفر من الحقِّ إلى الخلق بالحقِّ ، والرابع : سفر من الخلق إلى الخلق بالحقّ . وللوقوف على المسألة يُراجع كتاب : من الخلق إلى الحق ، للسيد الحيدري .
( 3 ) روى الكليني عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام في قول الله عزّ وجلّ : وَلِلهِ الأَسْمَاء الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا لأعراف : 180 ، قال :
نحن والله الأسماء الحسنى التي لا يقبل الله من العباد عملًا إلا بمعرفتنا )
. أُصول الكافي : ج 1 ، ص 143 ، ح 4 . .