. . . وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ . . . ( النحل : 89 ) ، وما دام القرآن
بياناً فقد تبيَّن فيه الرشد من الغيّ ، . . . لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولًا لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ ( الأنفال : 42 ) .
ومن هنا تفهم وجهاً جديداً ومهمّاً لقوله تعالى في وصفه للإنسان : عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ( الرحمن : 4 ) ، أي علمه سبيل الفصل والتمييز الحقّ والباطل ، أو بحسب التعبير القرآني بين الرشد والغيّ .
فليس الوضوح والظهور والانكشاف هو المُدَّعى التامّ لمفردة التبيين ، وإنما لابدَّ من خصوصية الفصل والتمييز ، ولا ريب بأنَّ الوضوح والظهور يقتضيان نوعاً من التميّز ، فيكون معنى التبيّن في قوله تعالى : قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ، هو أنه قد تميَّز وانفصل كلّ ما هو رشد عن كلّ ما هو غيّ « 1 » .
وهذا النوع من التبيّن بمعنى الفصل والتمييز إنما حصل بواسطة كثرة الحجج الباهرة والآيات الظاهرة « 2 » ، وبنصب الأدلّة ووجود الرسول صلى الله عليه وآله الداعي إلى الله والآيات المنيرة « 3 » ، وبوجود الأعلام الشامخة المتمثّلة بالعترة الطاهرة من أئمّة أهل البيت عليهم السلام وأتباعهم من علماء الأمّة الأبرار في كلّ زمان ومكان ، وقد عرفت بأنَّ هذا التبيين والفصل والتمييز : ( لا تخصيص فيه بزمان دون زمان وبأحد دون أحد ، فيفيد تبيين الرشد في كلّ زمان لكلّ أحد . . . ) « 4 » .
وفي ضوء معطيات التبيين بمعنى الفصل والتمييز يتبيَّن لنا بأنَّ وظيفة التبليغ المُبين عظيمة ومعقَّدة وخطيرة ، وكفى بها شرفاً ومقاماً أن تكون هي
هامش
( 1 ) انظر : تفسير كنز الدقائق : ج 1 ، ص 611 .
( 2 ) التبيان في تفسير القرآن : ج 2 ، ص 311 .
( 3 ) انظر : تفسير الثعالبي : ج 1 ، ص 504 .
( 4 ) تفسير كنز الدقائق : ج 1 ، ص 612 . .