والتشريد والتقتيل والتعذيب ، ولم تكن أمامهم سوى الدعوة السلمية طيلة ثلاث عشرة سنة ، حتى زجَّ بهم المشركون في شعب أبي طالب ، وعانوا ما عانوا ، ولم يدافعوا عن أنفسهم ، وقد جاء الإذن بالدفاع عن أنفسهم وهم في المدينة بعد أن اعتدى المشركون على أهالي المهاجرين في مكّة وصادروا جميع أموالهم ،
ولعلَّ وجودهم في مكّة وضعف إمكانياتهم كان يمنعهم عن إكراه الآخرين على دخول الإسلام ، ولكنَّ ذلك لا يصل إلى درجة عدم الدفاع عن النفس .
من هنا يتّضح أنَّ إستراتيجية الإسلام هي الدعوة بالفكر لا بالسيف ، وإذا ما اقتضى الأمر لاستعمال السيف فذلك من باب الدفاع عن النفس أو نُطلق عليه بالعمل على رفع المانع ، وسيأتي توضيح ذلك ، وقد حصل العمل على رفع المانع في مرحلة الدعوة المدنية لا المكّية . وعندما بدأت الحروب الدفاعية وقويت شوكة المسلمين بحيث أصبحوا مُتمكِّنين من إكراه الآخرين على دخول الإسلام بالقوّة نزل قوله تعالى : لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ . . . .
إبطال دعوى نسخ آية نفي الإكراه أو معارضتها
نعم ، ربما يُقال بأنَّ ذلك كلّه يُواجه إشكالين حقيقيين :
الأوّل يتعلَّق بنسخ الآية بآية الجهاد ، والجهاد صورة فعلية لإكراه الآخر على القبول بالإسلام ، فيكون عدم الإكراه منفياً قد انتهى أمده بشروع زمان النصّ الناسخ .
والثاني يتعلَّق بنصوص روائية تتعارض مع مُؤدَّى الآية ، من قبيل ما عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه خطب الناس يوم النحر بمنى فقال :
( أيها الناس ، لا ترجعوا بعدي كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعض ، فإنما أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله ، فإذا قالوا ذلك فقد عصموا منّي دماءهم وأموالهم