الرمزية وفواتح السور
شكّلت فواتح السور مساحة كبيرة في أُفق الرمزية لم يُسبر غورها ولم تُكشف أسرارها بعد ، فهي في أُفق المستوى الثالث من أهداف القرآن الكريم ، أعني المستوى الأخصّ الذي يحتاج إلى معاينة للحقيقة .
إن فواتح السور أو الحروف المقطّعة قد انتشرت على مساحة تسعٍ وعشرين سورة ، قيل بأنها مفاتيح السور نفسها ، وقيل بأنها تُمثّل الوجود الإجمالي لتلكم السور ، وقيل بأنها إجمال لحوادث وقعت بعد زمن النزول بفترات غير قصيرة ، وقيل بأنها إجمال القرآن كلّه ، وقيل بأنها إجمال وقائع البشرية في آخر أزمنتها ، وقيل بأنها مجرّد حروف مبانٍ لا تحمل أيّ معنى ، وقيل وقيل .
وهذا الخلاف والاختلاف كاشف إنّي عن غياب الحقيقة الكامنة وراءها ، وليس هنالك شيء نستقربه مما قيل ، ولكننا نقول بأن هذه الحروف المقطّعة هي مُستودع استثنائي للرمزية في القرآن الكريم ، ولا يبعد أن تكون هذه الفواتح هي أرضية الرمزية الفاعلة في القرآن كلّه ، بمعنى أن للرمزية مرجعية تُحدّد جميع الخطوط البيانية لأيّ رمزية أُخرى ، وهذه المرجعية تكمن في هذه الفواتح .
سؤال وأُطروحات
والآن نودّ طرح سؤال في غاية الأهمّية ، وهو :
إذا كانت هذه الحروف المُقطّعة تُمثّل أعلى سقف من مستويات الرمزية في القرآن الكريم فلماذا ابتدئ بها الكلام ؟
ألا يتقاطع هذا الأمر مع أهداف القرآن وإستراتيجيته في إيصال رسالته ؟
هنا ينبغي لنا التأمّل كثيراً في الإجابة عن ذلك ، وحيث إن الإجابة لا يُمكن أن تكون قطعية بأيّ حال من الأحوال ، فإننا سوف نطرح عدَّة أُطروحات :