ظواهرها وعدم تأويلها ، وقد دعاهم ذلك إلى تحريم الاجتهاد « 1 » ، في حين كان يرى الصدوقيون ضرورة التأويل ، فاتحين بذلك باب الاجتهاد على مصراعيه ، وقد استفادوا كثيراً من موروث الحضارة اليونانية في دفع الحركة الاجتهادية ، حتى انتهى بهم المقام إلى إنكار جملة من المعتقدات التي جاءت بها التوراة ، وهذا الحال تجده بقوّة وعمق في مُتبنّيات الديانة المسيحية التي أفرزت مدارس عديدة في قراءة النصّ الإنجيلي بين التأويل إلى درجة إلغاء دور الفرد العادي في ممارسة فهم النصّ « 2 » ، وبين مقتصرٍ على الظاهر إلى درجة يُمكن للجميع فهم النصّ الإنجيلي بصورة كاملة .
إنَّ هذه الحُمّى الشديدة التي اعترضت النصوص الدينية السابقة ألقت بظلالها وإضلالها على نوعية فهم النصّ القرآني .
ولتوضيح ذلك أودّ إلفات النظر إلى قضية تأريخية في غاية الخطورة ، شكلّت انعطافة كبيرة جداّ في سلّم المعرفة القرآنية ، وأعني بها حركة الترجمة التي نهض بها حكّام بني العباس في عهد هارون العباسي .
إنَّ هذه الحركة العلمية والفكرية التي عبّأت حكومةُ بني العباس الأمّةَ بخواصِّها وعوامِّها باتّجاهها ، كان وراءها هدف خفيّ عميق تحرّكوا باتّجاهه بعد قراءة عميقة لواقع النصّ الديني الذي انتهت إليه التوراة والإنجيل .
إنَّ الفلسفة الإغريقية المشّائية أسهمت إلى حدٍّ كبير في إلغاء الظواهر النصِّية للتوراة والإنجيل ، ونحن نؤمن إلى حدٍّ كبير بأهمّية هذه الخطوة فيما يتعلّق بالتوراة والإنجيل نظراً لما فيهما من غثّ وتلوّث ما يفوق حدّ التصوّر ،
هامش
( 1 ) انظر مقارنة الأديان ( اليهودية ) ، تأليف الدكتور أحمد شلبي : ج 1 ، ص 223 .
( 2 ) كما يرى ذلك المفكّر والفيلسوف المسيحي أورجينorigen ( 185 - 254م ) وهو من خرّيجي مدرسة الإسكندرية ، كتب تفسيراً للإنجيل لم يرتضه البابا آنذاك وأمر بإخراجه من الكنيسة ، انظر : تحليل زبان قرآن ( دراسة لغة القرآن ) د . محمد باقر سعيدي : ص 48 . .