فإنَّ أصحاب إسلام الحديث - سنّةً وشيعة - هم المصداق الأبرز لاتّخاذ القرآن مهجوراً في قوله تعالى : ( وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً ) ( الفرقان : 30 ) ، فالرسول يدعوهم لإسلام القرآن وهم يدعون لإسلام الحديث ، وأيّ حديث ؟ إنّه الحديث المشوب بالدسّ والتزوير على مرّ التاريخ .
وهذا التمسّك الحادّ بإسلام الحديث هو ما نُطلق عليه بالنزعة الروائية الطاغية على كافّة المعارف الدينية ، وحيثُ إنَّ الروايات يغلب عليها الجانب التطبيقي فقد غابت النظرية في طيّات البحث ، أو قل : غاب التصوّر العامّ لأصل المسائل في سلسلة الجزئيّات والتفاصيل ، ومن ثمَّ صار الخروج عن أصل النظرية أمراً طبيعياً ومتوقَّعاً ، ليشكِّل لنا في أوساطنا العلمية رؤىً دينيةً متقابلةً ومتنافرةً ومتقاتلة ؛ نتيجة الركون إلى التفاصيل الموهمة أحياناً ، وغياب الصورة العامّة الجامعة ، أو قل : غياب النظرية القرآنية ، أو قل : غياب إسلام القرآن .
وإذا ما غابت النظرية القرآنية فمن الطبيعي جدّاً أن تقفز أمامنا نظرياتٌ دينيةٌ علمائية ، ونتيجة التعايش معها والأُنس بها فإنّها سوف تُشكِّل عموداً فقريّاً في بناء وجدانٍ دينيٍّ علمائيّ لتلغي لنا الوجدان القرآني ، وبالتالي سيصبح من الطبيعيِّ جدّاً وقوع التنافر والتقاتل بين فصائل الأُمّة ، فكلّ فصيلٍ يتمسّك
من محورية إسلام الحديث إلى محورية إسلام القرآن — صفحة 17
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٧