أو أنّ المُخلَصين هم في الأصل يمثّلون درجة أو مرتبة أو طبقة من طبقات المُخلِصين وهي أعلى المراتب التي يمكن أن يصل إليها المُخلِص فيحصل له الاجتباء والانتخاب والاختيار والاستخلاص لهم ، فهم قُطب الرحى في دائرة المُخلِصين .
وقد يقال أيضاً : كيف حصل لهم هذا الاجتباء والاستخلاص دون أن يمرّوا بمراتب ومراحل التزكية الموصلة إلى هذا المقام ؟
والجواب : هو أنّ الله تعالى علم منهم أنّهم لا يُريدون إلّا هذه المرتبة السامية ، فاجتباهم واستخلصهم لنفسه ، فصرف عنهم دائرة السوء والفحشاء والأغيار ومطلق الشوب ، فصارت المُخلِصية التي أنالها الله تعالى لهم قبل أوان وصولهم إليها لعلمه تعالى بهم هي بمثابة العلّة الحقيقية التي دُفع بها عنهم السوء والفحشاء ، وهذا الدفع بالمخلَصية لا يُغيّر في المخلَصين الطبيعة الإنسانية المترسِّخة على أساس الإرادة والاختيار في أداء أفعالهم ومطلق تصرّفاتهم ، فلا يكون الفعل منهم على نحو الإجبار .
فالمُخلَصية والاجتباء والعصمة تعزّز في الشخص قوّة الإرادة وتزيد فيه
من درجة العلم فتبدو الأشياء أمامه على حقيقتها لا غُبرة عليها . فلا يكذب ؛ لأنّ حقيقة الكذب قد تجلّت أمامه ، ولا يأكل مال اليتيم ؛ لأنّه عرف حقيقة الأكل هذه على نحو المعاينة والمشاهدة ، لا على نحو التصوّر الذهني فحسب . فهو قادرٌ على اقتراف ذلك ولكنّ المُخلَصية والاجتباء والعصمة عزّزت فيه البصيرة ورفعت عنده درجة العلم ولم تسلبه الإرادة والاختيار .
ولذا فإنّ مثل هذه الطبقة وإن كانت لا تقترف صغائر الذنوب فضلًا عن كبائرها ، نجدها تُهدَّد وتُتوعَّد بوعيد إلهيّ بإحباط أعمالها إن أشركت
معرفة الله — صفحة 70
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٧٠