المقدّمة
بسم الله الرحمن الرحيم
إنّ السرّ الكامن وراء أصل الخلق هو حصول المعرفة . وحيث إنّ المعرفة المعلوماتية لا تتجاوز دائرة الذهن والوجود الصوريّ ، فإنّها لا يمكن أن تكون مقصودة أوّلًا وبالذات ؛ لعدم تحقّق الهدف الإلهيّ الغائيّ الذي يجعل الإنسان العارف على مقربة من الكمال المطلق ، ولكن دون الإحاطة به .
إنّ المعرفة الواقعة هدفاً أوّليّاً لإبداع الخلق هي المعرفة التحقّقية لا التحقيقية « 1 » ، أي : تلك المعرفة التي تمنح المتحقّق فيها سقفاً وجوديّاً حقيقيّاً آخر قد يُعبَّر عنه أيضاً بالوجود السِّعي ، وهذا السقف المعرفيّ تعجز المعرفة الصورية عن منحه تماماً .
بعبارة أخرى : إنّ السير المعرفيّ الذي يمنح الإنسان إيماناً وطمأنينة وقُرباً وسعة وجودية هو السير المعرفيّ التحقّقيّ الذي به يتحقّق العارف نتيجة انفتاحه على العوالم المعرفية الوجودية خارج إطار الذهن .
ولا ريب أنّ شطراً عظيماً من هذا السنخ المعرفيّ متحقّق لدى الأعمّ الأغلب من الناس ، إلّا أنّ دائرة الغفلة قد أُطبقت على منافذ القلوب فأصمّت آذانها وأخرست ألسنتها وفقأت أعينها ، وهذا السقوط المعرفيّ تختلف مراتبه كما هو حال اختلاف مراتب الحصول على السنخ المعرفيّ .
هامش
( 1 ) سوف يأتي بيان هذين الاصطلاحين في بحث معرفة الله ( الفصل الثاني ) .