بعبارة أخرى تُوجز لنا جميع ما تقدّم : هل من الإخلاص لله تعالى والتوكّل عليه ترك التوسّل بالأسباب الطبيعية دفعاً للأغيار ، فيأخذ كلّ ما يحتاجه من الله تعالى مباشرةً وبلا واسطة ، أم لا منافاة في ذلك ؟
هل إذا مرض الإنسان المُخلص ، يجلس في بيته ويقول : وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ « 1 » ، وإذا جاع أو ظمئ يقول : هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ « 2 » ، أم يبحث له عن طبيب ودواء وعن طعام وشراب ؟ وعلى الثاني كيف ينسجم ذلك مع الإخلاص لله تعالى الذي مفاده طرد الأغيار ؟
للإجابة عن ذلك ينبغي التمييز أوّلًا بين نوعين من التوسّل والاستعانة بالأسباب الطبيعية ، هما :
النوع الأوّل : التوسّل والاستعانة بالأسباب الطبيعية بمعزل تامّ عن الله تعالى ، فتكون الأسباب هي الضارّة وهي النافعة على نحو الاستقلال .
النوع الثاني : التوسّل والاستعانة بالأسباب الطبيعية بلحاظ عدم استقلالها في النفع والضرر ، وأنّ المسبّب في تأثيرها هو الله وحده ، كما هو
الحال في ضوء المصباح الكهربائي ، فإنّا نستفيد من المصباح نفسه الضوء والإنارة ولكن الفاعل الحقيقي في الضوء والإنارة هو وجود التيّار الكهربائي .
أمّا النوع الأوّل من التوسّل فلا يوسم بمنافاة الإخلاص فحسب ، بل هو ضربٌ من ضروب الشرك المحرّم والمنهيّ عنه .
وأمّا النوع الثاني فهو ما جرت عليه السنن العقلائية والشرعية ، ولا يتنافى البتّة مع الإخلاص لله تعالى ، لأنّ الإخلاص هو أن لا تعتقد أنّ
هامش
( 1 ) الشعراء : 80 .
( 2 ) الشعراء : 79 .