ولا ريب في حصول اللذّات الظاهرية لكلّ إنسان ما لم يكن فاقداً
لتلك الحواسّ وأمّا اللذّات الباطنية فإنّ دائرة الذين يحصلون عليها أضيق من دائرة الحصول على اللذّات الحسّية . فالأطفال الذين لم تكتمل قواهم الباطنية ، والمرضى الذين ماتت معظم قواهم ، وضعاف الهمّة وميّتو القلب لا ينالون هذه اللذّات .
وأمّا اللذّات العقلية فدائرة الحصول عليها أضيق بكثير ، بل هي محدودة جدّاً رغم انفتاحها على الجميع .
ومن الواضح أنّ هنالك كثيراً ممّن يُؤثر اللذّات الظاهرية على الباطنية فضلًا عن العقلية ؛ لقصور فيه ، فيرضى بإشباع بطنه في قبال ذُلّ يناله ، ويطلب السلامة في قبال ضياع الكرامة .
وربما يفعل بعضهم ذلك لأنّه لا يعرف تلك المعاني الكريمة إمّا للأسباب المتقدّمة أو للاضطرار .
من هنا يتّضح لدينا أسباب اقتصار دائرة المتوفّرين والحاصلين على المعارف الإلهية على عدد محدود جدّاً ؛ إمّا لجهل بحقيقة هذه المعارف السامية كما هو حال الأعمّ الأغلب أو لشدّة الارتباط والاشتغال بالأمور المادّية بحيث لا تُعطي مُتّسعاً للالتفات والارتباط بعالم المعنى .
ولا شكّ أنّ الحاصل على اللذّات الباطنية سوف تضعف في نفسه درجة ومرتبة اللذّات الظاهرية عندما يُقايسهما معاً ، وهكذا في الحاصل على اللذّات العقلية فإنّه سوف تضعف عنده اللذّات الباطنية فضلًا عن الظاهرية عندما يقايسهما باللذّة العقلية .
وعليه فلا غضاضة على من خلّف تلك اللذّات القاصرة وراء ظهره وانغمس في بحار المعارف الإلهية يتلمّس ببصيرته الثاقبة أنوار الملكوت
معرفة الله — صفحة 26
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢٦