وممّا لا شكّ فيه هو أنّنا لا نلتفت إلى حجابية « الأنا » ما دُمنا منطلقين منها في كلّ حركاتنا وسكناتنا ، فتغيب بذلك تلك الحقائق العُلوية عن أبصارنا ، ولا ينبغي الشكّ في كون الباني الأوحد لهذا الحجاب وغيره من الحُجب هو الإنسان نفسه ، فإنّ السالك كلّما اصطدم بحجاب - سواء كان ظلمائياً أو نورانياً - فإنّه هو المقوّم له بنفسه . وأمّا الطرف الآخر فإنّه لا يمكن أن يحتجب بأيّ حجاب من تلقاء ذاته لأنّه نور السماوات والأرض ، فكيف يغيب عن أحد ؟
ومن هنا تجد ذلك التعبير القرآني لواقع الحال الذي نحن عليه يُنبّه إلى حقيقة احتجابنا عنه ، فيقول جلّ وعلا : فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ « 1 » . فإنّيّة النفس والذات مانعة عن الانفتاح على ذلك الأُفق النوراني الذي لا يحدّه حدّ .
إذاً ينبغي أن يكون الهدف الأسمى هو العود إلى ذلك الأصل واندراج وانطفاء ذواتنا في طيّ الذات الواجبة كما تندرج القطرة في البحر ، وهذا هو معنى الفناء الحقيقي للذات ، فلا غضاضة بعد ذلك إذا ما سُئلت القطرة : ما أنتِ ؟ فتقول : أنا البحر .
وذلك هو كمال الانقطاع إلى الله تعالى . عن الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام :
« إلهي هب لي كمال الانقطاع إليك . . . » « 2 » ،
وفي ذلك يقول السيد الخميني رحمه الله : « كمال الانقطاع المشار إليه هو الخروج من منزل الذات والذاتية ومن كلّ شيء وكلّ شخص للارتباط به
هامش
( 1 ) ق : 22 .
( 2 ) مفاتيح الجنان ، مصدر سابق : 218 .