ويعني هذا أنّ الإنسان ما دام منطلقه الأوّل مادّياً وأنّه سوف يضع قدمه في أوّل الطريق فإنّ وجوده وجود مادّي ولم يصر بعدُ وجوداً حقّانياً .
والوجود الحقّاني هو الوجود الذي لا موضع للأنانية فيه ، فكلّه لله تعالى ، حيث لا يرى شيئاً في كلّ شيء سوى الله تعالى ؛ ما رأيت شيئاً إلّا ورأيت الله قبله وبعده ومعه « 1 » ، فلا يرى في الوجود إلّا الله والشيء الجميل الحسن ، ولا وجود للقبيح في نظره « 2 » .
والإنسان السالك يسير في سفره الأوّل باتّجاه التخلّص من أنانيته وإنّيته ، وما دام هو في دائرة وحدود هذا السفر « من الخلق إلى الحقّ » فإنّ للأنانية صوتاً وللذات قدماً في مرتكز النفس .
وحيث إنّ هذه النشأة المادّية هي نشأة الكثرة لا الوحدة ، ونشأة الغيبوبة ونشأة حركة التجافي ، حيث يعني الحركة فيه الخروج من القوّة إلى الفعل ، وأنّ كلّ جُزء لاحق لا يتحقّق إلّا بانعدام الجزء السابق ، فهي فضلًا عن كونها نشأة الكثرات الحاضرة بالفعل فإنّها نشأة الكثرة التي تغيب بعض أجزائها عن البعض الآخر . وهذا هو مُراد الحكماء من أنّ وجود الأشياء في عالم المادّة يكون بنحو تدريجي لا دفعي فإنّه - وفي ضوء ما تقدّم - سوف يكون الحاكم في هذه النشأة هو الكثرةُ لا الوحدة ، ولذا تجد السالك إلى الله تعالى في هذا السفر الأوّل يكون مُحتجباً عن الوحدة ، وهذا الحجاب ناشئ من الكثرة .
هامش
( 1 ) مصباح الهداية إلى الخلافة والولاية ، مصدر سابق : ص 22 .
( 2 ) انظر : التربية الروحية ، مصدر سابق : ص 90 .