وأولياء وصدّيقين وغير أولئك من الصالحين انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ « 1 » ، واتّضح لنا من مجموع الأبحاث السابقة أنّ في هذا السفر الثاني يحصل المحو التامّ والفناء الثاني - فناء الصفات والأفعال - والذي أسميناه بمقام الخفي بعد ما كان في مقام السّر الذي عرفت أنّه مقام فناء الذات .
وهذا السفر هو محور الكمالات الذي يغترف منه العارف ويعود إليه متى ما اقتضت الحاجة إلى ذلك بعد انتقاله إلى السفر الثالث أو الرابع .
السفر الثالث : من الحقّ إلى الخلق بالحقّ
في هذا السفر المعنوي الثالث يحصل للعارف حظّ من النبوّة بمعناها اللغوي وهو الإنباء والإخبار عمّا تحقّق به في سفره الثاني . وهذا العارف المتحقّق ما لم يكن معصوماً فإنّ عليه إقامة البرهان والحجّة على كلّ نقل وكشف ودعوى - فيما إذا كان في مقام إيصال المعارف إلى الآخرين وهو مقام الإثبات - أو يُساعدهم في الوصول إلى عالم الكشف والشهود ليُعاينوا الحقائق بأنفسهم إن أمكنهم ذلك وإلّا عليهم متابعة الموافقة من القرآن والسنّة الشريفة من قِبل مَن أراد التصديق بما نُقل إليه .
بهذا يتّضح لنا مقدار ما يعطيه هذا السفر من دافعية وتحفيز للعقل نحو التحقيق وإقامة البرهان فيثير فيهم دفائن العقول ويدعوهم
هامش
( 1 ) الإسراء : 21 .