مسألة أخرى .
فإن قيل : إذا كان نتاج العقل معصوماً ، فلماذا نجد مثل هذه الاختلافات الواقعة بين من يعتمد العقل والأدلّة والأبحاث العقلية ؟ .
فجوابه : هو أنّه على مستوى النقض واضح ، حيث لا إشكال عند الجميع من أنّ النبي ( ص ) معصوم وما يصدر منه معصوم أيضاً ، ومع ذلك تُوجد اختلافات كثيرة في ما صدر عنه ( ص ) .
فالأمر إذن مرتبط بمقام الإثبات لا بمقام الثبوت ، فنحن عندما نأتي إلى النقل والوحي نجد فيه ما هو قطعي سنداً ودلالة ، ومنه ما هو ظنّي سنداً ودلالة ، بل يوجد ما هو مختلق وموضوع ، ونفس المجرى موجود في الأبحاث العقلية ، فنحن لا ندّعي أنّ كلّ ما يدركه العقل يكون معصوماً ، وإنّما منه ما هو جزميّ ومنه ما هو ضعيف ومنه ما هو خياليّ ، وإنّ طريقة الفصل في النقل بين القطعي والظني والضعيف هو الاعتماد على مجموعة علوم مثل علوم اللغة والرجال والحديث والبلاغة والأصول و . . . الخ .
فكما احتجنا إلى مجموعة علوم وضوابط لفرز الغثّ من السمين والصحيح من السقيم ، فكذلك نحتاج إلى مجموعة علوم وضوابط وقواعد تساعدنا على تقليل الخطأ في نتاج العقل ورفع درجة الإصابة .
فإنّنا في الأمور النقلية كلّما ازددنا دقّة قلّصنا درجة الخطأ ، ولكنّنا لا نستطيع أن نتخلّص من الخطأ نهائياً ، وكذا الحال في المسائل العقلية .
إذن فدعوى اعتماد النقل لأنّه معصوم وترك العقل لأنّه غير معصوم ، هي دعوى لا أساس لها من الصحّة ولا دليل عليها .
كليات فقه المكاسب المحرمة — صفحة 87
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٨٧